بطبيعته، المسلم شديدُ الإيمان، وشدَّة إيمانه تستولِي على قلْبه وعقله، وهذه ميزة ليستْ لدِين سواه؛ ولهذا السبب ترَى المسلم الملتهِب إيمانًا يُبشِّر بدِينه أينما ذهَب، وأنَّى حلَّ، وينقُل عدْوَى الإيمان الشديد لكلِّ مَن يتصل به مِن الوثنيِّين"."
وعلى هذا، فإنَّه لو وُجِد دعاةٌ مخلصون للإسلام في هذا العصر، يُحسِنون أساليبَ الدعوة، ويَدْعون بحِكمة، ويُجادِلون بالتي هي أحْسَن، ويُدْلُون بالحُجج والبراهين، لكان أحْرى أن يجدوا الاستجابةَ والقَبول، وقد تنقلب تلك الأخطارُ المحدِقة بالإسلام على رُؤوس مدبِّريها وكائديها، وتصبح عاملًا قويًّا في نشْر الإسلام.
يقول محمد باكثول - وكان مسيحيًّا إنجليزيًّا فأسلم:"في رأيي أنَّ الزمن الذي نحْنُ فيه أنسبُ الأزمان وأصلَحُها لنشْر الدعوة الإسلاميَّة في الأرْض، وما يظنُّه الظانُّون مُثبِّطًا مِن نقْص القوَّة هو بالعكس أدْعى إلى نشْر الإسلام، وأكثر ملاءمةً للنجاح فيه، إنَّ لنا في هُدْنة الحديبية لَعِبرةً نقضي لها العجبَ، كلَّما فكَّرْنا فيها، فالصحابة - رضوان الله عليهم - وقَعتْ منهم شروطُ تلك الهدنة موقِعَ الأسى، وكانتْ لهم منها صدْمَة عنيفة، لم يَسْلَم من تأثيرها بعدَ صاحِب الهداية العُظْمى - صلى الله عليه وسلم - غيرُ عددٍ قليل منهم، في مقدِّمتهم الصِّدِّيق - رضوان الله عليه."
ولكن هذه الهُدنة كانتِ الفتحَ الأكبر للإسلام، حتى إنَّ عددَ الذين دَخَلوا في الإسلام في سَنَة واحدة بعد صُلْح الحديبية كان أكثرَ مِن عدد الذين دَخَلوا فيه مدَّة تِسْعَ عشرةَ سَنَةً قبلَ ذلك.
إنَّ صوتًا عُلويًّا نسْمَعه الآن من الحديبية يُنادينا بأنَّه في الإمكان - بالرغْم ممَّا صِرْنا إليه من التجرُّد من القوَّة - أن نلُمَّ شعثَنَا، ونعود إلى نشْر هداية دِيننا، وأن نبلِّغَ هذه الهداية إلى البشَر أجمع، فالشُّعوبُ اليوم أشدُّ إصغاءً إلينا منها في العُصور السابقة.
ويقول الأستاذ محمَّد الغزالي في كتابه"معركة المصحف":
"وقد جهِد الاستعمار بعدَ اسْتمكانِه مِن الأقطار الإسلاميَّة أن يهونَ من قِيمة العِلم الدِّيني، والأوعية الحامِلة له، وأن يَجْعَل الصدارة لألوانٍ أخرى من المعرِفة، وصنوف أُخْرى من الناس، تاركًا الكلام في الإسلام، والاشتغال بتوجيهاتِه لأقوامٍ في مؤخِّرة الحياة، تقاتلهم على ضروراتها، ويُقاتلونها على طلَب البقاء وحسْبُ."