"وعن ابن طاووس، عن أبيه قال: ما كان أكرَهَ إليه مِن أن يرى عورةً مِن ذات محرم، قال: وكان يكره أن تسلَخَ خِمارها عنده [1] ؛ أي تكشف عن شَعرِها، وعن ليث، عن طاووس: أنه كان يَكره أن يرى شَعر ابنتِه، قال ليث: وكان الشعبيُّ يكره من كل ذي ذات محرم" [2] ، وقال ابن قدامة: منع الحسن، والشعبي، والضحاك النظر إلى شَعر ذوات المحارم، فرُوي عن هند ابنة المهلب قالت: قلتُ للحسن: ينظر الرجل إلى قرط أخته أو إلى عنقها؟ قال: لا، ولا كرامة [3] .
هذا ما عليه السلف الصالح - رضي الله تعالى عنهم - من الاحتياط والحصانة وحماية الأعراض، والذين جاؤوا من بعدهم ممن اتصف بالصبغة والإيمان اتبعوهم بإحسان، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا المقاصد الشرعية، واتبعوا الشهوات ودواعي الهوى.
وأما التفسير العمليُّ: فقد جرى عمل الصحابيات - رضي الله عنهن - في بيوتهن على ستر ما لا يظهَر عادةً وغالبًا، واقتصرْنَ على كشفِ ما يظهَر عادة وغالبًا، فيكشفْنَ عن الرأس، والعنق، واليدَين، والساعدَين، والقدمين، وبداية الساقين، وهو تأويل الآية، فإن الرأس موضِع القرط، والوجه موضع الكُحْل، والعنق موقع القلادة، والكفُّ موضع الخاتم، والذراع موضع السوار، والقدم موضِع الفَتَخِ، ومعقَّد الساق بالقدم موضِع الخُلخال.
قال الشيخ محمد بن صالح العُثيمين - رحمه الله: وقد ذكَر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كنَّ يلبسْنَ القمُص اللاتي تَصِل إلى الكعبين في القدمين، وإلى الكفَّين في اليدَين [4] .
مِن هذا المُنطَلق قال ابن قدامة - رحمه الله: قال الأثرم: سألتُ أبا عبدالله عن رجل يَنظُر إلى شعر امرأة أبيه أو امرأة ابنه؟ فقال: هذا القرآن: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} إلا لكذا وكذا،
(1) عبدالرزاق (12831) .
(2) عبدالرزاق (12832) .
(3) ابن قدامة: المغني: 9: 491 - 492.
(4) ابن عثيمين: فتاوى أركان الإسلام (ص: 294) .