بحب الأميركيون المجادلة إلى ما لا نهاية حول حجم الحكومة، لكن ما نشير إليه البيانات المقارنة بين الدول هو أن جودة الحكومة أكثر أهمية من حجمها لتحقيق نتائج جيدة.
ماهي الأسباب وراء تباين أداء الحكومات في شتى أنحاء العالم؟ لماذا يوفر بعضها، مثل حكومات أوريا الشمالية، سلسلة واسعة من الخدمات بمستوى مرتفع و معقول من الفاعلية، ما يولد درجة عالية من الثقة الاجتماعية من جانب المواطنين، بينما تبدو أخرى غارقة إلى الأبد في وحل الفساد والعجز، ولذلك بعدها السكان طفيليات لا عوامل تيسير وتسهيل؟ وما هي العلاقة بين الحكومة الرشيدة والجوانب الأخرى من التطور: حكم القانون، والمحاسبة، والنمو الاقتصادي، والتحشيد الاجتماعي؟
سوف نحاول في الفصول الآتية تفسير الأسباب التي جعلت بعض البلدان تطور دو قوية وقادرة بينها فشلت أخرى في المهمة، وسنقارن بين خمس حالات: بروسيا/ المانيا، اليونان، إيطاليا، بريطانيا، الولايات المتحدة. تبدو بروسيا/ المانيا واليونان وإيطاليا مثل طرفين حديين متقابلين ضمن الاتحاد الأوربي حاليا. فقد اشتهرت المانيا دومأ ببيروقراطيتها القوية والفعالة، وبعد أدائها الكارثي في النصف الأول من القرن العشرين، تمكنت من وضع سياسات سليمة ومستدامة في مجال الاقتصاد الكلي على مدى حقبة ما بعد الحرب. بالمقابل، عرفت اليونان وإيطاليا بارتفاع مستويات الزبائنية والفساد الحكومي، وواجهت كل منها مصاعب إشكالية في التمويلات العامة تفجرت في أثناء أزمة اليورو عام 2010. وسيكون موضوع المقارنة السوال المتعلق بمصدر هذا الاختلاف وكيف استمر إلى يومنا الحاضر.
تشكل بريطانيا والولايات المتحدة حالات وسطية. بدأت بريطانيا القرن التاسع عشر بخدمة مدنية بقيت دون إصلاح واخترقتها المحسوبية والمحاباة. لكنها أجرت عملية تنظيف واسعة للبيروقراطية منذ منتصف القرن، لتضع القواعد المؤسسة لخدمة مدنية حديثة بقيت إلى يومنا الحالي. على نحو مشابه، طورت