الولايات المتحدة نظاما مرتكزا على المحسوبية الحزبية منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، حيث هيمن المسؤولون المعينون سياسية على الحكومة بمستوياتها الثلاث: الوطني والمحلي والولاية. يمكن تصنيف الظاهرة الأميركية بأسلوب أدق ضمن فئة الزبائنية لا المحسوبية، لأنها شملت توزيع السياسيين مكاسب ومنافع على نطاق واسع على الأنصار والمؤيدين بطريقة لم تكن متاحة في النظام البريطاني الأقل انفتاحا، لكن الولايات المتحدة نجحت هي أيضا، بحلول العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، في إصلاح نظامها، لتوجد نواة الخدمة المدنية الحديثة. تمكنت بريطانيا والولايات المتحدة كلتاهما من استئصال أحد أشكال الفساد من الإدارة العامة بطريقة عجزت عنها اليونان وإيطاليا.
يكمن أهم أسباب النتائج المتباينة في التسلسل الذي اتبعته بلدان مختلفة لإصلاح بيروقراطيانها في لحظة فتحت فيها أنظمتها السياسية أمام تنافس ديمقراطي أوسع. يبدو أن تلك البلدان التي أوجدت بيروقراطيات قوية في المرحلة التي كانت فيها خاضعة للحكم الاستبدادي، مثل بروسيا، نجحت في إقامة مؤسسات تمتعت بالاستقلالية والقدرة على البقاء والاستمرارية، وتمكنت من النجاة من التغييرات التي أصابت النظام حتى وقتنا الراهن. من ناحية أخرى، أوجدت البلدان التي تبنت الديمقراطية قبل أن تقيم دولة قوية، مثل الولايات المتحدة واليونان وإيطاليا، أنظمة زبائنية وجب إصلاحها فيما بعد. نجحت الولايات المتحدة في المهمة؟ وفشلت اليونان؛ وحققت إيطاليا نجاحا جزئيا.
تعد بروسيا، موحدة المائية، من أوائل البلدان الأوربية التي تمتعت بدولة حديثة. بدأت بروسيا تجنيد بيروقراطية فعالة وكفؤة قبل الدخول في مرحلة التصنيع، وقبل تبني المحاسبة الديمقراطية منهجا. ولذلك، سوف أبدأ بسرد قصة نهوض الدولة الحديثة أنطلاقا منها.