الصفحة 218 من 810

العام والخاص، ومثلما رأينا في الفصل السابق، لم يتطور الفارق المميز بين المجال العام والمصلحة الخاصة في بروسيا إلا في أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقبل ذلك التاريخ كانت الحكومة البروسية ميراثية (كجميع الدول الأوربية في الواقع الفعلي) . وهذا يعني بدلالته أن الأمير أعتبر نفسه مالك الأراضي التي يحكمها، كأنما هي جزء من بيته أو إرثه. كان باستطاعته منح الأراضي (والناس الذين يعيشون عليها) إلى الأقرباء أو الأتصار أو المنافسين لأنها شكل من أشكال الملكية الخاصة. ولم يكن من المنطقي الحديث عن فساد في ذلك السياق، نظرا لعدم وجود فكرة المجال العام الذي يمكن اختلاس موارده

مع نمو الدول المركزية في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقط بدأ النظر إلى مجال الحاكم باعتباره نوعا من الأمانة العامة التي يكلف بإدارتها نيابة عن المجتمع الأوسع، لا ملكية خاصة. وشددت جميع المبادئ الحديثة المبكرة لسيادة الدولة، كا وضعها غورنيوس، وهوبز، وبودان، وبوفيندورف، على حقيقة أن شرعية الحاكم لا تستند إلى حقوق ملكية قديمة أو موروثة، بل إلى حقيقة أنه بمعنى من المعاني وصي على المصلحة العامة الأوسع. ولا يستطيع فرض الضرائب بطريقة شرعية إلا مقابل توفير الخدمات العمومية الضرورية، وأولها النظام العام لتجنب حرب الكل ضد الكل حسب وصف هويزه

فضلا عن ذلك، بدأسلوك المسؤولين في المجال العام، وصولا إلى الحاكم نفسه، يجدد على نحو متزايد وفق قواعد رسمية. ومن بين القوانين التكوينية لدولة القانون البروسية قواعد و أنظمة رسمت بوضوح الحدود الفاصلة بين الموارد العامة والخاصة، وكانت الكونفوشيوسية الصينية قد طورت مبدا موازيا قبل قرون عديدة: لا يعد الأباطرة مجرد مالكين للأرض والناس الذين يحكمونهم فحسب، بل أوصياء أخلاقيون على المجتمع برمته، ومن واجباتهم الرفاهية المجتمعية، ومع أن الأباطرة الصينيين تمتعوا بالقدرة على الاستيلاء على الأموال العامة وتخصيصها الاستخداماتهم، وقاموا بذلك فعلا (مثلما فعل الامبراطور وائلي قرب نهاية عهد سلالة مينغ) ، إلا أن الخط المميز بين هذه الحسابين توضح وترسخ دوما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت