الصفحة 256 من 810

بالمقابل، تلائم اليونان نمط أكثر شبها بعديد من المجتمعات النامية الحديثة في البلقان، والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث لم يشكل التصنيع القوة الدافعة وراء التمدين، بل انتقال قرى بأكملها إلى المدن، ما حافظ على المجتمعات المحلية سليمة. وحسب تعبير أبوستوئيس باباکوستاس يمكن وصف المدن اليونانية بأنها"مدن فلاحين وسكانها بأنهم"فلاحون متمدنون: المستوى المرتفع من اللحمة الاجتماعية في المدن مؤسس على شبكات متناسجه من الصلات الأولية ذات التردد العالي مع الوجوه المألوفة (11) . ومن ثم، أصبح مجتمع الثقة المتدنية والتوجه الأسروي في أرياف اليونان المجتمع المديني لأوائل القرن العشرين

يمكن للحوادث أن «تتآمره لجعل المستويات المتدنية من الثقة أكثر تدنية. إذ خضعت اليونان في أثناء الحرب العالمية الثانية للاحتلال الإيطالي ثم الألماني. وانقسم المجتمع اليوناني في هذه المرحلة على طول صدوع آيديولوجية، واندلعت حرب أهلية مريرة قبيل نهاية الاحتلال الألماني بين الشيوعيين اليونانيين وحكومة تلقت الدعم من بريطانيا أولا ثم الولايات المتحدة، شملت الحرب ارتكاب فظائع عديدة من الجانبين وأدت إلى سقوط أكثر من خمسين ألف ضحية، ما خلف تركة من الاستقطاب ما تزال مستمرة إلى اليوم.

هنالك بالطبع فوارق مهمة بين جنوب إيطاليا واليونان. إذ لا يوجد في اليونان فعلا نظير للافياء التي احتلت مكانة بارزة في تاريخ المنطقة الجنوبية. ومع ذلك، اشتهرت المنطقتان كلتاهما بالأسروية، والمستويات المرتفعة من الشك وعدم الثقة بالغرباء، والافتقار إلى مجتمع مدني. لا يتضح من النظرة الأولى أن غياب الثقة الاجتماعية يجب أن يتصل بظاهرة الزبائنية والبيروقراطية هزيلة الأداء، لكن الصلة موجودة فعلا: تنتج الحكومة القوية الفعالة ثقة اجتماعية تسهل بدورها عمل الحكومة، وفي الحقيقة، تفتقد اليونان وجنوب إيطاليا الثقة والحكومة القوية معا.

ما هو مصدر هذا الشك وانهيار جدار الثقة في تمهيد للحجة التي أقدمها في الفصل الأتي، أشير إلى أن السبب لا يتعلق بالثقافة بقدر تعلقه بالغياب التاريخي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت