من بريطانيا، لم تحتل موقعا رياديا في تطوير أحزاب سياسية جماهيرية فحسب، بل ابتكرت ممارسة الزبائنية. بالمقابل، بقيت بريطانيا أقلية أوليغارشية مقيدة طوال معظم القرن التاسع عشر، ولذلك تمكنت من إصلاح خدمتها المدنية قبل تعرض الأحزاب السياسية الجماهيرية الإغراء استخدام المنصب العام عمله لشراء الأصوات.
وفر موقع بريطانيا المحاطة بالبحر حماية قوية، ولم تواجه نط التهديدات الوجودية التي واجهت بروسيا الحبيسة المطوقة بالبر. وهكذا، بينما ارتفعت درجة المهنية في البحرية البريطانية ارتفاعا كبيرا في أثناء الحروب العديدة التي خاضتها في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، بقيت الإدارات الأخرى من الخدمة المدنية تعتمد على المحسوبية اعتادا شديدا. صحيح أن ترسيخ المحاسبة البرلمانية مارس ضغوطة لكبح بعض من أسوأ حالات استغلال المنصب العام، لكن النخب كانت راضية تماما على استخدام الوظائف الحكومية وسيلة لتعزيز مصالحها ومصالح أشياعها وأنصارها (1) . كانت الصلات الشخصية لا الجدارة والأهلية هي الأداة التي تضع الأفراد في مناصب المسؤولية، لتتأمل الرسالة الآتية من السيدة سيسيليا بلاکوود إلى اللورد جون رسل عام 1849: الغريق يتشبث بقشة، لكني أعتبر الأمر بالغ الأهمية، فأنت لست أعظم رجال إنكلترا فحسب بل أقوى رجل في العالم .. حين أفكر بأن والدتك ووالدي أبناء عمومة، آمل أن أرتع في دفء شمسك. نحن نقترح الآن إرسال أبنتي إلى كمبريدج .. سوف أعيش على أمل أن تضعه يوم من الأيام، إن لم يكن على الفور، في موقع مناسب (2) . صحيح أن الناس في المجتمعات كلها يستغلون صلاتهم مع الشخصيات النافذة، لكن في بريطانيا أوائل القرن التاسع عشر كانت الصلات المحصورة ضمن نخبة صغيرة جدا هي كل ما يلزم للتعيين في منصب حكومي. ونتيجة لذلك، لم توجد خدمة مدنية نظامية کا في بروسيا، ببيروقراطيتها النخبوية والمتميزة بدرجة عالية من الاستقلالية. بل مجرد مجموعة من أصحاب المناصب الذين تمتعوا بصلات قوية لكن بقيت كفاءتهم محل شك ولم يتلقوا أي تدريب في الواقع.