الصفحة 344 من 810

الضوابط والتوازنات: في خمسينيات القرن التاسع عشر، لم تكن هناك فيدرالية أو مسعى لإلغاء المركزية، ولا محكمة عليا لإبطال مشروعية القوانين، ولا عملية فصل للسلطات بين التنفيذية والتشريعية، وانضباط حزب صارم (سيطرة قيادة الحزب على أعضاء البرلمان الممثلين للقواعد الحزبية) . وحين بدأت تركيبة النخبة البريطانية تتغير ليحل اللاعبون المنتمون إلى الطبقة الوسطى محل القلة الأوليغارشية القديمة، أمكن للتشريع التعبير عن رغباتهم بسرعة.

لا ينطبق ذلك كله على الولايات المتحدة، التي يجعل نظامها الدستوري القائم على الضوابط والتوازنات إجراء تغييرات كبيرة في السياسة العامة عملية بالغة الصعوبة تتطلب جهدا ووقتا. لكن الفوارق الاجتماعية هي الأهم: إذ لم توجد نخبة مفردة متلاحمة في الولايات المتحدة، وفي الحقيقة فإن الركيزة الديمقراطية لتأسيسها ضمنت أن تتعرض النخب القائمة باستمرار لتحدي لاعبين اجتماعيين جدد. لهذا السبب لم تنتقل الولايات المتحدة مباشرة من نظام المحسوبية النخبوي إلى الخدمة المدنية الحديثة؛ بل تطلب الأمر انعطافة دامت قرنا طويلا عبر الزبائنية الخاضعة للسيطرة الحزبية. تشير التجربة الأميركية، خلافا للبريطانية، إلى حقيقتين: أولا، ليست المحسوبية والزبائنية من الظواهر المحددة ثقافيا، ولا تمثلان ممارسات ما قبل

حديثة تمكنت من البقاء بطريقة ما مع حدثنة المجتمعات. بل هما تأمينان طبيعيتان للتحشيد السياسي في مراحل الديمقراطيات المبكرة. ثانيا، تشير تجربة أميركا الأكثر ديمقراطية إلى وجود توتر أصيل ومتجذر بين الديمقراطية وما ندعوه اليوم «الحكم الرشيدا,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت