فهرس الكتاب
ومثلما كانت الحال في الصين القديمة وأوربا المبكرة، ثبت أن الحرب شكلت مهارة لبناء الدولة الأميركية. ففي أثناء الحرب الأهلية، زاد عديد الجيش الاتحادي من خمسة عشر ألفا إلى أكثر من مليون، واقتضى إيجاد نظام بيروقراطي ضخم لتموين مثل هذه الأعداد الهائلة من الأفراد وتحريكها. أعيد تجديد مبنى الكابيتول الأميركي
مقر اجتماع الهيئة التشريعية واستكمل تشييد قبته الكبيرة في هذا الحقبة. كما استحثت الحرب الأهلية تحولا في أسلوب تفكير الأميركيين بأنفسهم: قبل الحرب، كانوا يشيرون إلى الولايات المتحدة بصيغة الجمع، في تعبير عن الأصول الاتحادية للبلاد، لكن أصبح من الشائع بعدها الإشارة إليها بصيغة المفرد، للدلالة على أهمية الاتحاد الذي خاض لنكولن الحرب لإنقاذه (1)
لكن هذه اللحظة من مركزة الدولة كانت عابرة. إذ سرعان ما عادت البلاد إلى التقاليد التيودورية المتجذرة. سرحت أعداد كبيرة من الجنود بعد الحرب مباشرة وأعيد الجيش إلى سابق عهده، قوة حدودية صغيرة منتشرة في الحصون الغربية النائية. كما جرى تفكيك بنية الفرع التنفيذي المسؤول عن التعبئة الحربية وعادت السيطرة على الموارد الحكومية إلى عهدة الأحزاب السياسية. ومع إعادة الإعمار وعودة الولايات الجنوبية إلى الاتحاد، انتهى عصر الهيمنة الجمهورية وسيطر نظام الحزبين على السياسة حتى خاتمة القرن. ولم يتبق من حالة الحرب، وفقا للمؤرخ مورتون کيلر، سوى سلسلة من الاستعارات التشبيهية العسكرية المطبقة على السياسة الحزبية: خلة سياسية، حملة الراية الحزبية، الحشود من جنود الحزب على مستوى القاعدة، رئيس الدائرة الانتخابية .. الخ (2)
في الحقيقة، كان النظام السياسي الذي ظهر في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر شك أعلى تنظيم من الزبائنية مقارنة بحالة ما قبل الحرب. وبسبب حجم البلاد التوسع بسرعة و التعقيد الاجتماعي المتزايد باطراد، تنحت الأشكال القديمة من العلاقات المباشرة جانبا، لتحل محلها على المستوى الوطني بنية أكثر تنظيا وتراتبية وزعت عبرها الأحزاب المنافع والخدمات والمناصب (40) . لاحظ المراقب البريطاني لورد برايس أن «ما يميز السياسيين الأميركيين مقارنة بالطبقة