ظهرت في آسيا على الدوام إمبراطوريات عظمي، ولم تقدر هذه الامبراطوريات على البقاء في أوربا. إذ تضم آسيا سهولا شاسعة؛ وتقسمها الجبال والبحار إلى أجزاء واسعة؛ ولأن موقعها أقرب إلى الجنوب، يسهل جفاف الينابيع، وتنلر قمم الجبال المكنسية بالثلج؛ بينما لا تشكل أنهارها الأصغر حج حواجز صعبة.
ولذلك يجب أن تكون السلطة في آسيا استبدادية دومة؛ فإذا لم تكن العبودية صارمة يحدث انقسام متنافر مع طبيعة البلاد
بشكل الانقسام الطبيعي في أوربا عديدة من الأمم متوسطة الاتساع، حيث الحكم بالقوانين لا يتعارض مع حفظ الدولة: بل على العكس، يلائمها إلى حد أن من دونه تصاب بالانحطاط والفساد، ونصبح فريسة لجيرانها.
وهذا ما أوجد النبوغ لخلق الحرية التي تجعل قهر أي جزء وإخضاعه لقوة أجنبية عملا بالغ المعوية، بخلاف قوة القوانين والمصلحة التجارية.
وعلى العكس، تسود في آسيا روح عبودية لم تتمكن من تزعها قط، ويستحيل العثور في تواريخ هذه البلاد كلها على علامة واحدة دالة على نفس حرة؛ ولن نرى شيئا هناك بأستثناء العبودية المفرطة.
أكد كثير من المنظرين السياسيين الآخرين، من أرسطو إلى روسو، أن المناخ والجغرافيا مارسا تأثيرا في تشكيل طبيعة المؤسسات السياسية. لكن بحلول النصف الثاني من القرن العشرين، حين بدأت الامبراطوريات الاستعمارية الأوربية تتفكك والبلدان النامية تظهر على شكل دول مستقلة، أخذ هذا النمط من التفكير والمنطق يفقد سطوته وقبوله. يصدق ذلك خصوصا على الحجج المتعلقة بتأثيرات المناخ في الشخصية الوطنية ومن ثم التطور. ورفض كثير من آراء مونتيسكيو عن الفوارق بين السكان البواسل في المناخات الشمالية والجنوبيين الباحثين عن اللذة لكن الكسالى، بوصفها تنميط فظا أو تحيز عنصرية. وانتقدت هذه وغيرها من الحجج المائلة حول المحددات الثقافية للتطور لأنها لا تلوم الضحية