ان ما ينقص الفهم المعاصر للمعرفة السياسية هو القبول، ليس فقط بافق مادتها الموضوعية، ولكن أيضأ بطبيعتها أو أسلوبها الغريب. وإن أسلوب المعرفة التي هي في صميم فن إدارة شؤون الدولة بمعناه التقليدي هو المحاكمة العقلية السياسية أو لنستخدم عبارة أخرى بطل استعمالها، هي الحصافة. وتعني هذه الفكرة ضمنأ بمعناها الأبسط، أن هنالك نوعا من حسن التمييز أو الإدراك الملائم لصناعة القرار السياسي بشكل خاص. وهي تعني ضمنأ أن السياسيين وبسبب تجربتهم الأوسع في الأمور السياسية، يكتسبون مقدرة فكرية تمكنهم من صنع قرارات سياسية سليمة - أكثر صحة من القرارات التي هي عرضة لأن تتخذ بواسطة أولئك الذين تنقصهم مثل هذه التجربة مهما قد تكون كفاءاتهم الفكرية غير المصقولة أو مخزونهم من المعرفة المناسبة (11)
يتبدى التوضيح التقليدي لفكرة الحصافة في فكر أرسطو. فقد أوجد فعليا في كتابيه الرائعين والسياسة، و «أخلاق نيكوميد، نظاما للعلوم السياسية في ما قد يسمى بصيغته ما قبل العلمية. ويمكن ترجمة مصطلح ارسطو عن العلوم السياسية (politike) على حد سواء إلى الخبرة السياسية» أو «فن إدارة شؤون الدولة» : وليس هنالك من فارق كبير بالنسبة إليه بين نظرية العمل السياسي وبين ممارسته. ووفقا لأرسطو، فإن الحصافة، أو الحكمة العملية (حسبما يجري أحيانأ ترجمة العبارة phronesis) هي السبيل إلى المعرفة الصحيحة للعلوم السياسية، وتختلف الحصافة بشكل جوهري عن المعرفة العلمية أو النظرية. إنها الملكة العقلية التي نستخدمها في تطبيق مبادئ عامة على ظروف معينة تحتاج إلى اتخاذ القرار والتحرك. إنها تتطلب إذن كلا من معرفة عامة وتفهما لنوع معين من الظروف الذي يمكن أن ينشأ فقط نتيجة الخبرة؛ فالمعنى الضمني الهام لهذا الأمر هو، أن الحصافة تميل إلى أن توجد أولا وعلى الغالب لدى الأشخاص الناضجين من ذوي الخبرة، وليس لدي صغار السن، إن قسمأ من