وعلى سبيل المثال، تأتي ظاهرة السلوك التنظيمي الياباني المعروف باسم جيکوکي وجوه والذي يعني حرفيا حكم الكبار على يد المسؤولين الصغار). فالحيطة مطلوبة في أمور كهذه على أية حال. وينظر إلى اليابان في الغرب، وفي أغلب الأحيان، نظرة ساخرة مشوهة بصورة مغال بها، باعتبارها مكانا للتوافق الخنوع والارتباط الأعمى بالقيم الطائفية المشتركة. ويمكن في الواقع التأكيد بأن السلوك الياباني الباحث عن الإجماع يعكس شيئا ما مختلفة تماما: التأثير المستمر لتقاليد الساموراي التي كانت سائدة في اليابان إبان القرون الوسطى مع مذهب الفردية العنيفة الذي تعتمده، والاهتمام بالشرف الشخصي. وربما تفهم الطقوس المعقدة، وإذعان المرء لرؤسائه، والاهتمام بالحفاظ على كرامة مظهر خارجي والذي هو أمر رئيس جدا في الحياة اليابانية - ربما تفهم جميعها على نحو أفضل باعتبارها آليات للسيطرة على دوافع فردية قوية). لم يمر وقت
طويل منذ أن كانت جلسات البرلمان الياباني تشهد بانتظام مشاجرات بين أعضائه. كذلك فإن المناورة ما بين الزعماء الطموحين للفئات المتعارضة داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي من أجل الحصول على منصب سياسي، هي من الشدة والقسوة كما في أي مكان آخر. وفي الحقيقة فإن المذهب الانشقاقي بات متفشية ليس فقط داخل الحزب السياسي الحاكم في اليابان، وإنما داخل معظم التنظيمات الكبيرة).
وهناك أيضا، في المقام الثاني دليل كبير على أن الثقافة اليابانية ليست غير قابلة للتغيير. فالخيار السياسي وتغير الظروف التاريخية، بإمكانهما التأثير بوضوح في العادات والأعراف السياسية اليابانية من نواح مهمة. ولايراد مجرد مثال واحد، فإن المسؤولين الكبار في الحكومة اليابانية وفي الجهاز البيروقراطي - وإلى درجة ما رؤساء الوزارات أيضأ - اتجهوا إلى أن يصبحوا أكثر إصرارا على مواقفهم في السنوات الأخيرة وذلك ردا على الضغوط المتزايدة بشأن التنسيق الإداري المتقاطع والضمني. إضافة إلى ذلك فقد كان هناك نوع من رد الفعل في اليابان ذاتها، ضد مزاعم الجهاز البيروقراطي. وشهدت وزارة المالية بالتحديد، إضعافا واضحا لسلطتها وهيبتها.