البعد الأخير من مهنة إدارة شؤون الدولة. والسبب وراء ذلك واضح: فالأهداف الملموسة تبدو منطقية ومعتدلة سواء بعبارات مطلقة أم بالنسبة للاعبين التاريخيين المعنيين، في حين أن الأهداف غير الملموسة تتخطى وتهدد في أغلب الأحيان بلاد أخرى وتؤدي إلى نزاع وحرب دولية. وكما تدل الأمثلة التي تطرحها بريطانيا وفرنسا في عام 1940، فهي ليست بهذه البساطة إطلاقا، على أية حال. فالشرف ليس مجرد الغرور الشخصي لملك حاكم أو طبقة أرستقراطية بل إنه مرتبط بشكل وثيق بسمعة البلاد والهوية القومية، إنه في حد ذاته، ليس شيئا يمكن أو لا بد من التضحية به بخفة من أجل أهداف أخرى مهما قد تكون «عقلانية، وفقا لحسابات سياسية عادية (4) .
لقد ناقشنا حتى الآن الأهداف غير الملموسة باستخدام أكثر العبارات التقليدية، ويمكن للمرء اليوم، على أية حال، أن يجادل بأن مهنة إدارة الدولة هي في طور إعادة تعريف نفسها بالعودة إلى مجموعة جديدة من المهمات القومية والمهمات التي تتخطى الحدود القومية. وتشمل هذه اهتمامات عالمية مثل تفكيك الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمبادئ الإنسانية، ونزع السلاح، والبيئة العالمية والإرهاب، والفضاء الخارجي، وتعاون مفترض ضمنأ بدلا من التنافس بين الدول ذات السيادة، وربما يكون من الإنصاف القول إن هذه الاهتمامات تمارس إغراء على رجال الدولة (رجال الدولة في الديمقراطيات المتقدمة، على أية حال) والذين هم في وضع يتناسب عكسيا مع حجم وأهمية بلادهم، وهذا لا يقصد به القول إن تفكيك الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلا، ليس لهما وزن حقيقي عند رجال الدولة الأميركيين. إنه فقط للتلميح بأنهما نادرا ما يتفرقان بالممارسة على أهداف استراتيجية تقليدية كالأمن والرخاء. ورغم ذلك فليس هنالك من مجال للشك سوى أن هذه الأنواع من الاهتمامات تخيم بشكل كبير على المسرح العالمي أكثر من أي وقت مضى، وربما تنجح في آخر الأمر في تحويل طبيعة مهنة إدارة الدولة المعاصرة، بطرق من الصعب التنبؤ بها أو حتى تخيلها في الوقت الراهن