أوروبا السيطرة علي الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان". ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر:"إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرأون القرآن ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم"."
ويسير المنّصرون الذين رافقوا هذه الحملات على نفس الخط. فيقول المنّصر وليم جيفورد بالكراف:"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة الغربية التي لم يبعده عنها إلا محمد (صلى الله عليه وسلم) وكتابه". [1] ويقول المنّصر جون تاكلي:"يجب أن نستخدم كتابهم (أي القرآن الكريم) ، وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه، حتى نقضي عليه تمامًا. يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديداُ، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا". [2] ويقول المنّصر ذاته"تاكلي"، في كتاب الغارة على العالم الإسلامي:"يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني، لأن كثيرًا من المسلمين قد تزعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية وتعلموا اللغات الأجنبية".
واستدعى ذلك الأمر العمل على عدة محاور وفي نفس الوقت. فتم إلغاء الكتاتيب والحد من تأثيرها وإضعاف مكانتها في النفوس. وبالطبع لا يختلف أحد في أن الكتاتيب كان قد أصابها شيء من القصور، ولكن كان يجب العمل على علاج تلك الأخطاء الناجمة والتي تراكمت عبر الزمن وليس إلغائها تماما. وتزامن هذا مع الإبقاء على الأزهر - كمؤسسة دينية - قائما مع إضعاف مكانته وزعزعة ثقة الناس فيه بإنشاء المدارس الأجنبية اللادينية إلى جانبه، والمسارعة إلى تعيين خريجي هذه المدارس في مختلف الوظائف المرموقة وبأجور مرتفعة للغاية، مع عدم توفير فرص عمل لخريجي الأزهر (وبالأخص حملة القرآن منهم) ، وإن وجدت فهي ضعيفة الأجر.
وهكذا بدأت النظرة إلى القرآن واللغة العربية تتغير في نفوس الناس! ومع رثاثة حال حملة القرآن وخريجي المدارس الدينية، ووجاهة خريجي المدارس اللادينية، بدأت هذه النظرة الجديدة تتغلغل في النفوس، ليتجه المجتمع بأكمله نحو هجران القرآن!! ولم يعد فخرا للأسر أن ترتبط بمن يحمل مؤهل ديني، لضعف منزلته الاجتماعية في المجتمع. مع ما تركه هذا من آثار
(1) عبد الله التل، جذور البلاء. (بيروت: المكتب الإسلامي، 1988) . ص: 201. نقلا عن: الغارة على العالم الإسلامي، ص: 35.
(2) د/ مصطفى الخالدي ود/ عمر فرّوخ، التبشير والاستعمار في البلاد العربية. (بيروت: بدون ناشر، 1957) . الطبعة الثانية. ص: 40.