الصفحة 118 من 122

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، رواه مسلم في صحيحه. وهذا يعني أن الدين بمراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، داخل في نطاق النصيحة أو معادل لها. ولذا جاءت أقوال الأئمة الكبار في تعظيم قدر هذا الحديث، فوصفه الإمام ابن حجر العسقلاني بأنه أحد أرباع الدين، بل عده الإمام النووي بأن مدار الدين على هذا الحديث وحده. وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني بلوغ النصيحة في دين الإسلام مرتبة عالية سامقة، لا يدانيها عمل آخر.

ولقد كانت النصيحة منهجا سلكه صفوة خلق الله، وهم الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم، مع أقوامهم لتبليغ شرع الله. ثم كان هذا المنهج هو الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بإتباعه، فحمل لوائه الصحابة رضوان الله عليهم، ثم التابعين من بعدهم، ثم سارت عليه الأمة جيلا بعد جيل.

وتتنوع أمور النصيحة ومجالاتها بين المسلمين وتتعدد. ولكني أود هنا الإشارة إلى نوع من النصح بدأ يشيع في زماننا هذا، ألا وهو توجيه النصح لبعضنا البعض على منتديات الانترنت.

وبداية أود توجيه تحية تقدير وتشجيع لكل من يلزم نفسه بتوجيه النصح لأصدقائه على صفحات المنتديات. ولكن، وللأسف، يأخذ هذا النصح في بعض الأحيان صورا منفرة تصيب المنصوح بالإحراج والغضب، مما قد يؤثر على الهدف الأصلي من توجيه النصح، وهو تصحيح الخطأ الذي وقع فيه هذا المنصوح. بل قد يتطور الأمر في بعض الأحيان، فتأخذ المنصوح العزة بالإثم - من جراء شدة الناصح وغلظته في توجيه النصيحة - فيقسم على عدم القيام بتعديل الخطأ الذي وقع فيه، بل والاستمرار عليه.

لذا أردت توجيه كلمة موجزة لأخواني الناصحين، ألفت أنظارهم إلى ضرورة التحلي بعدة آداب عند توجيه النصح لمن أرادوا، إذا كانوا يرجون أن تؤتي نصائحهم أكلها، فيعمل بها المنصوحين بدون تردد أو أدنى تفكير.

فنعلم جميعا - هدانا الله إلى الخير - أن أهم ضابط أخلاقي للنصيحة هو إخلاص النية لله رب العالمين. والإخلاص في الحقيقة هو من أهم الضوابط التي يجب أن يتحلى بها المسلم عند قيامه بأي عمل. فلو داخل نفسه أدنى رياء أثناء القيام بالعمل، لضاع هذا العمل هباء. والإخلاص في توجيه النصيحة يعني أني بعملي هذا لا أريد سمعة ولا وجاهة، ولا أريد أن يرى الناس مدى علمي أو مكانتي، ولا أريد أن أظهر للمنصوح جهله وسفهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت