جاء القرآن الكريم - من حيث المعنى - في ثلثه تقريبا تأريخا لقصص تحكي حال الكفار مع الأمم المسلمة، سواء الأمم التي سبقتنا، ونضال أنبيائها معها لإقرار عقيدة التوحيد بين أفرادها، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم ونضالها مع طواغيت الكفر من المشركين. ولم يكن هدف القرآن من ذلك تسليتنا بإخبارنا بما حدث من قبلنا أو معنا، وإنما لفت نظرنا للاعتبار بما حدث وأخذ العبرة والعظة منه.
وليست دراستنا للتاريخ إلا لكي نستفيد منه. وإنما العجب كل العجب أن يستفيد أعداؤنا من دراسة تاريخنا، حيث درسوه جيدا واستطاعوا استخلاص العبر والنتائج منه. وأعجب العجب أنهم أصبحوا يحاربوننا الآن باستقرائهم لتاريخنا وبجهلنا نحن إياه!!!
وقد أمرنا تعالى بدراسة سير من قبلنا للوقوف على العبر واستخلاص الدروس التي ترشدنا في حياتنا. فقال عز وجل: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 137 - 138] . فمن عجب أن نترك دراستنا للتاريخ وفق هذا النهج، أي وفق نظام السنن الإلهية في الكون، وأن يكون نهجنا لقراءة التاريخ مسايرا للنهج الغربي، الذي يعتمد في تفسيره للتاريخ على أثر البيئة الخارجي من مناخ وجغرافيا واقتصاد، أو النهج الشيوعي الذي يعتمد على التفسير المادي للتاريخ، وأن نلتفت إلى توافه الشخصيات المعاصرة لكي نجعل منهم قدوتنا، بديلا عن مصابيح الهدى من أعلامنا السابقين.
إن دراستنا للتاريخ على هذا النحو - أي وفق نظام السنن الإلهية - تتيح لنا إدراك الأسباب الحقيقية للانتكاسة الضخمة التي وقعت فيها الأمة في عصرها الأخير، ونتعرف في الوقت ذاته على طريق الخلاص. إن التخلف المادي والعلمي والسياسي والحربي والاقتصادي ... الخ، الذي هو سمة المسلمين في واقعهم المعاصر، ليس هو السبب الأصيل في انتكاستهم المعاصرة، إنما هذه كلها أعراض للمرض الأصلي، الذي هو فراغ المسلمين من حقيقة الإسلام، وبعدهم عن الله، وبعدهم عن مقتضيات رسالتهم التي أخرجهم الله من أجلها. [1]
وإذا كان لكل علم ثمرة، أي غاية يجب أن يخرج بها الدارس من دراسته لهذا الفرع من العلوم، فإن دراسة التاريخ لها ثمار شتى، لعل من أهمها الوقوف على أخطاء المستشرقين وآرائهم في تحريف التاريخ الإسلامي، وتزوير حقائقه، وطمس معالمه، والتشكيك في رجاله وأعلامه،
(1) كيف نكتب التاريخ الإسلامي، محمد قطب، دار الشروق، ص: 23 - 24.