وضع لنا ديننا الحنيف عدة مبادئ يلزمنا إتباعها، لعل من أهمها ضرورة التدخل في حالة وقوع ظلم معين سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام، لرفع هذا الظلم. فجاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرورة تغيير المنكر لمن رآه، وذلك على عدة مستويات تتناسب مع ظروف كل فرد واستطاعته: باليد أو باللسان أو مجرد الإنكار بالقلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ". [1]
وفي ظل ظروف معينة تعرضت لها الأمة، كان الظلم البيّن هو السمة المميزة للأنظمة الحاكمة للشعوب. وكان الخوف - في الجانب الآخر - هو السلوك الغالب الذي حكم تصرفات الرجال. وتعرض الرجال لكثير من صنوف القهر والتعذيب بدون سبب واضح أو مفهوم. وأصبح الآباء يوصون أبنائهم بضرورة الصمت وعدم التدخل في أمور السياسة من حولهم. وانتشرت أمثال عديدة للدفاع عن هذا المبدأ من شاكلة:"الحيطان لها ودان"، و"لو جه الطوفان حط ابنك تحت رجليك". وغيرها كثير!! فما الذي حدث؟!!
لم تُجدِ هذه السلبية في رفع الضرر عن أحد أو عدم إيقاعه به، فانتشرت - تبعا لذلك - الاعتقالات الجماعية والمحاكمات العشوائية. وزاد التعذيب والطغيان. وأصبح الجميع مهددا، حتى في عقر داره. ولم يسلم المواطنون من الأجهزة الأمنية داخل حدود دولهم، بل امتد الظلم ليشمل تعرضهم للذل والهوان والامتهان على أيدي الأجهزة الأمنية لدول أخرى. فها هي الولايات المتحدة تلاحق ما تراه مُدانا من وجهة نظرها في أية دولة، بل وتخطفه من أية دولة إذا أرادت ذلك. وها هي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل تعبث وتعربد في دول مثل العراق وأفغانستان.
إن الخوف الذي استشرى داخلنا هو الذي أدى بنا إلى هذه الهاوية التي تردينا فيها. وأصبح علينا الآن محاولة الخروج منها. وأضرب مثالا لتوضيح الأمر. فحينما أراد أحد الشباب إطلاق لحيته، اجتمع كبراء عائلته وعمدائها - وفقا لسلوك الخوف الذي سيطر عليهم - لإثنائه عن ذلك الأمر، وأقسموا عليه بأغلظ الأيمان ألا يفعل ذلك أو يضعه في حسبانه، حتى يتجنبوا المشاكل التي يمكن أن تنجم عن ذلك!!
(1) صحيح مسلم، 49 (78) . عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.