الصفحة 54 من 122

تنتشر بيننا عبارات أصبحت كأنها أمثال أو"أكليشيهات"تقال بلا تفكير ولا روية، بل أصبحت من"المأثورات"التي تتناقل بيننا. وغالبا ما يصاحب من يقولها إطلاق ابتسامة عريضة أو ضحكة مدوية، رغم ما في هذه الأقوال من أخطاء عقدية فادحة لعل من يقولها لا يدري بها، ولعل قائلها لا يدري بمخالفتها للشرع الحنيف. ويرجع ذلك لضعف معلوماته عن الدين، وسطحية ثقافته الدينية، وتعلله الدائم بأن قلبه"أبيض"و"نظيف"، لا يضره مثل هذه"التشددات"التي يبديها من يقوم بتصحيح تلك العبارات له.

ومن أمثلة ما يقولون:"كتر السلام يقل المعرفة". وهذا القول يصطدم بنصوص عديدة في السنة المطهرة، تفيد كلها ضرورة العمل على إفشاء السلام بين الناس. ومنها ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف [متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان: 24] . أي تسلم على كل من لقيته, عرفته أم لم تعرفه. ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس. ففي هذا الحديث الحث على إفشاء السلام ونشره بين الناس، لما فيه من المصالح العظيمة، ولعل من أعظمها: التأليف بين المسلمين، وسلامة قلوبهم لبعض، واجتماع كلمتهم، وتوادهم. وفيه بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف، وإخلاص العمل فيه لله تعالى لا مصانعة ولا ملقا. وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع، وإفشاء شعار هذه الأمة.

بل كان السلف حين يمشون، إذا فرّق بينهم في الطريق عائق، كشجرة أو جدار أو حجر وخلافه، فأدت لسير كل فرد في طريق بمفرده عن الآخر، كانوا إذا تلاقوا يبادرون بإلقاء السلام ثانية. ولو تكرر ذلك مرات عديدة، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر، ثم لقيه، فليسلم عليه أيضا. [صحيح: موقوفا ومرفوعا / صحيح سنن أبي داود للألباني، 5200] .

وهكذا يحثنا الشرع على إفشاء السلام وروح الود بين الناس، والذي من شأنه أن يؤدي لزيادة المحبة والألفة بين الناس. ولكن أعداء الدين، الذين يريدون أن تسود البغضاء والكراهية بين جموع الناس، تفتقت أذهانهم عن ترديد مثل تلك المقولة الخبيثة، والتي انتشرت كالسرطان بين أبناء المسلمين، حتى أصبحوا يرددونها دائما ويؤمنون بمضمونها رغم مخالفته لشريعة الإسلام. ولذلك نقول ردا على تلك المقولة الكاذبة، بل:"كتر السلام يزيد المحبة ويقل الكراهية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت