كثرت الفتاوى من حولنا، ودخل حلبتها كل من يريد سواء عن علم أو بجهل، وتعدد المفتون، حتى ليمكننا أن نسمي العصر الذي نعيش فيه الآن بعصر مهرجان الفتاوى. وأصبح للناس مواسم للفتاوى: ففي رمضان، تكثر الفتاوى عن الصوم والزكاة وزكاة رمضان، وفي أشهر الحج تكثر الفتاوى عن مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة، وفي بقية شهور العام تكون أسئلة الصلاة والطهارة هي المادة الرئيسية للفتاوى.
وكل هذه الأسئلة للأسف هي في مبادئ العبادات وأصولها، مما يدل على ضحالة علم المستفتين بالعلوم الشرعية. وحيث إن جميع هذه الأسئلة تدور حول العبادات، فإن النذر اليسير منها يتجه إلى المعاملات!! ونحاول هنا أن نرصد هذه الظاهرة، حتى يمكن أن نضع لها سبل العلاج الملائمة التي تقضي عليها وتمنع تفشيها.
مدخل لغوي: [1]
الفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء، والجمع الفتاوى والفتاوي. يقال: أفتيته فَتْوى وفتيا، إذا أجبته عن مسألته. والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام. وتفاتوا إلى فلان: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا. والتفاتي: التخاصم. ويقال: أفتيت فلانًا رؤيا رآها، إذا عَبَرَتها له، [2] ومنه قوله تعالى حاكيًا عن ملك مصر: {يَا أَيُّهَا الْمََلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي} ] يوسف: 43[.
والاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} ]الكهف: 22 [. وقد يكون بمعنى مجرد السؤال، ومنه قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} ] الصافات: 11 [، قال المفسرون: أي اسألهم.[3]
والفتوى في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، [4] وهذا يشمل السؤال في الوقائع وغيرها.
(1) وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، الإدارة العامة للإفتاء والبحوث الشرعية، مجموعة الفتاوى الشرعية، (1397 ـ 1405 هـ) ، الجزء الأول.
(2) لسان العرب والقاموس المحيط.
(3) تفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير.
(4) شرح المنتهى، 3/ 456؛ وابن حمدان، صفة الفتوى والمستفتي، ص 4.