والمفتي لغة: اسم فاعل أفتى، فمن أفتى مرة فهو مفتٍ، ولكنه يحمل في العرف الشرعي بمعنى أخص من ذلك، قال الصيرفي: هذا الاسم موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم، وعَلِم جُمَل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك السنن والاستنباط، ولم يوضع لمن عَلِم مسألة وأدرك حقيقتها، فمن بَلَغ هذه المرتبة سمّوهُ بهذا الاسم، ومن استحقه أفتى فيما اُستفتي فيه. [1]
وقال الزركشي: المفتي من كان عالمًا بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل وهذا إن قلنا بعدم تجزؤ الاجتهاد. [2]
أسباب تراجع أثر الفتوى من النفوس:
كانت الناس فيما مضى تقيم وزنا كبيرا لعلمائها، وكان لآراء هؤلاء العلماء وزنا كبيرا في حياتهم. أما الآن فلم يعد لفتاوى العلماء تأثير كبير في نفوس الناس. ولا شك أن لضياع هيبة الفتوى من النفوس أسباب متعددة، نذكر منها:
-ضياع الهيبة والنفوذ للشيوخ من نفوس الناس: وهذا العامل يعد في حد ذاته سببا ونتيجة في نفس الوقت. بمعنى أن ضياع الهيبة والنفوذ التي كان يحتلها الشيوخ من نفوس الناس قد أدى إلى عدم تمسك الناس بالفتاوى التي تصدر عن هؤلاء الشيوخ. كما أن عدم تمسك الناس بالفتاوى التي تصدر عن الشيوخ قد زاد من ضعف مكانة وتأثير الشيوخ في نفوس الناس. ويحكي لنا التاريخ عن المكانة السامقة التي كان يحتلها الشيوخ من نفوس العامة. ونذكر في هذا الصدد على سبيل المثال قصة سلطان العلماء: الشيخ العز بن عبد السلام. سار الشيخ إلى مصر فأكرمه ملكها، وولاه الخطابة والقضاء. وكان الحكم في مصر في ذلك الوقت للمماليك، فنظر الشيخ فرآهم لا يزالون في نظر الشرع عبيدا، لم يتحرروا هم، فضلا عن أن يحكموا الأحرار. فأعلن بوصفه القاضي، أنهم سيباعون بالمزاد العلني. وكان نائب السلطنة من المماليك، الذين حكم الشيخ ببيعهم!! وحسبوه يهزل، فإذا هو جاد. فشكوه إلى السلطان، فنهاه فلم ينته. فقال له السلطان كلمة فيها غلظة، فما كان من الشيخ إلا أن حمل أمتعته على حمار، وأركب أهله على حمار آخر. وخرج من مصر. فماذا حدث؟!! لقد صنع بفعلته هذه العجائب!! لقد خرج أهل مصر جميعا، بالضجيج والعويل، يسيرون خلفه. وارتجف البلد، وزلزلت مصر!! وأسرعوا إلى السلطان يقولون
(1) بدر الدين الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 6/ 305.
(2) البحر المحيط، 6/ 306.