جاءني أحد الشباب واجما، وأخذ ينظر لي بعينين محملقتين. ثم أخذ يمسح حبات العرق المتساقطة على جبينه، وقال وهو يدافع الكلمات للخروج من فمه من بين أنفاسه المتلاحقة:
-لقد خطبت!!
اندهشت من التناقض البادي بين طبيعة مظهره التي تدعو للإشفاق عليه، وبين حقيقة الخطوة التي قام بها والتي من المفروض أن تدعوه للفرح. ولكني أخفيت دهشتي، وهنأته على الفور، وباركت له. ودعوت الله أن يتمم له مشروع زواجه بخير، وأن يمن عليه بالذرية الصالحة.
ثم بادرته بالسؤال:
-ولكن حالك لا يدل على السرور المفترض من وراء هذا الخبر السار الذي أبلغتني به.
فكر في سؤالي للحظات، ثم أجابني بعد فترة صمت قصيرة:
-في الواقع أنا سعيد وغير سعيد في آنٍ واحد.
اندهشت أكثر من إجابته التي جاءت موافقة لما دار بداخلي. وزاد فضولي لمعرفة الموقف على حقيقته وبكافة أبعاده. لذا فقد سألته:
-هل هذا لغز؟ ما الذي حدث؟!!
تنهد الشاب وأخرج زفرة من صدره جمعت كل ما يختلج في نفسه من مشاعر متناقضة، ثم بدأ في سرد تفاصيل القصة:
-لقد تقدمت لإحدى العائلات لكي اخطب ابنتهم. وافقت العائلة بعد عدة صولات وجولات لتحديد التبعات المنوطة بكل منا للقيام بها، فأنا كما تعرف ما زلت في بداية حياتي. واستطعت الوصول بالمتطلبات المطلوبة مني إلى الحد الذي يمكنني القيام به. ولكن من حين لآخر تظهر بعض العقبات والعراقيل التي تسد الطريق أمامي. وآخر هذه العقبات، إصرار أهل العروس على أن تخلع ابنتهم الحجاب في الفرح، ويسوقون لتبرير ذلك عدة حجج: منها أن أهلها يريدون أن يفرحوا، وأنهم يريدون أن تبدو ابنتهم وكأنها ملكة جمال، ومنها أنهم لا يريدون زوجا متزمتا بل عصريا، ومنها أن أهلنا كانوا يفعلون ذلك، إلى آخر هذه الحجج الواهية.
وفي واقع الأمر لقد كانت صدمتي كبيرة أن أجد أن هناك من الناس من لا يزالون يفكرون بمثل هذه العقلية.