العادات المرذولة
بربط مواسم الطاعة بالأصناف المأكولة
جاء الإسلام لمحاربة التقاليد الخاطئة وتصحيح المفاهيم التي تتعلق بعلاقة الإنسان بربه. فقد جاء الإسلام ليضرب وبشدة على جميع أنواع العبوديات سواء المادية أو الحسية التي يتعبد بها الناس لغير الله سبحانه وتعالى. فبالإضافة إلى عبودية الأصنام التي حاربها الإسلام، وهي أكبر أنواع العبوديات لغير الله ولا شك، كان هناك كذلك العبودية للعرف السائد في المجتمع وما ورثه أفراده من الآباء والأجداد، والعبودية للهوى.
فقد كانت العبودية للعرف السائد في البيئة - وهو الميراث الضخم والمتراكم الذي ورثه أفراد المجتمع من آبائهم وأجدادهم - تشكل مظهرا قويا في حياة المجتمع. فكانت بمثابة عبودية قوية وواضحة تقف مقابل عبوديتهم لله، بل وتصرفهم عنها. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ َلا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وََلا يَهْتَدُونَ} ] البقرة: 170[. وكذلك هو الشأن في كل من عرف حكما من أحكام الدين ثم تعلل بعدم تنفيذه لضغوط الأعراف السائدة حاليا، أو لعدم إرادة أن يُغضب أحدا منه، أو لغير ذلك من الأسباب.
كما أن الهوى يقف بمثابة إله يتعبده الناس في كل جاهلية وفي غياب العلم الشرعي. {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} ]الجاثية: 23 [. وكذلك هو الحال في كل من عرف حكما من أحكام الدين ثم تراجع عن تنفيذه إيثارا لهواه وشهوة نفسه، واستحبابه لأمر معين بناء على رأي نفسه.
ومن عجب أن الدين الذي جاء لمحاربة الموروثات الخاطئة، في ظل عدم تمسك معتنقيه بتكاليفه الشرعية، وفي ظل تقاعسهم عن تلقي العلم الشرعي، وبتزيين كبير من أعدائه المتربصين به - من عجب أن هذا الدين قد نبتت في تربته عادات مرذولة جاءت لتغير ولتضعف العقيدة والفكر والتصور، وترسخت جذورها بحيث أصبح وكأن من شبه المستحيل تغييرها أو تصحيحها أو التخلي عنها.
وسوف أُقصر الحديث هنا على العادات الخاطئة التي اعتاد الناس على فعلها في مواسم الطاعات، التي حث الدين أساسا على استغلالها في التقرب بأنواع العبادات المختلفة. ولكن بدلا من ذلك فقد تحولت هذه المواسم إلى عادات اجتماعية تراثية، تكاد تختفي الشعائر الدينية من طياتها. وبداية لا أعرف شعبا ربط بين مناسباته الدينية وبين الأكل مثلنا. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة.