الصفحة 47 من 122

تميز سلف هذه الأمة بعدة صفات جعلت منه جيلا فريدا، لا يستطيع أي جيل أن يدانيه في منزلته أو مكانته التي وصل إليها. ومما تميز فيه هذا الجيل، هو شغفه بالعلم وطلبه، حتى كان معظمهم يتلقون العلم عن آلاف الشيوخ. واشتهر في طلبهم للعلم قيامهم بالرحلات الكثيرة، بحيث استغرقت مسافات شاسعة من أماكن إقامتهم إلى أماكن الشيوخ الذين يرومون تلقي العلم عنهم.

ومن أشهر رحلاتهم في طلب العلم، ما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الشيق"الكفاية في معرفة أصول علم الرواية": عن الرحلة التي قام بها الإمام شعبة بن الحجاج، من أجل اعتبار حديث واحد، حتى يقف على علته. فقد روى أن جماعة من السلف كانوا قعودا على باب هذا الإمام شعبة، يتذاكرون. فقال أحدهم: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رعاية الإبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت ذات يوم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه. فسمعته يقول: من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم دخل المسجد، فصلى ركعتين واستغفر الله، غفر الله له. فقلت: بَخٍ بَخٍ! فجذبني رجل من خلفي. فالتفت، فإذا هو عمر بن الخطاب. فقال: الذي قال قبل أحسن! فقلت: وما قبل؟! قال: قال: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت.

واتفق أن استمع الإمام شعبة إلى هذا الحديث، فخرج إلى هؤلاء الرهط. وعنّفهم على تهاونهم في عدم تحري الدقة عند رواية هذا الحديث، لوجود علة في سند الرواية: (إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة) ! وأوضح أنه قد سمع أبو إسحاق يروي هذا الحديث، فذهب للتأكد من صحة هذه الرواية. فسأله عمن حدّثه بهذا الحديث. فقال له أبو إسحاق: حدثني عبد الله بن عطاء، عن عقبة. فألح شعبة بن الحجاج على أبي إسحاق في السؤال:"هل سمع عبد الله بن عطاء من عقبة"؟! لأن سماع المحدثين من بعضهم يعتبر شرطا للقبول بصحة الحديث.

ولما لم يتيقن شعبة بن الحجاج من ذلك، قرر أن عليه الذهاب إلى عبد الله بن عطاء بمكة لسؤاله عن هذا الحديث. فبدأ في التجهز لهذه الرحلة، ثم توجه إلى مكة. وكان موسم الحج قد بدأ، ولكن لم يكن قصد شعبة الحج، وإنما كان همه معرفة صحة هذا الحديث. فلما لقي عبد الله بن عطاء، سأله عمن سمع منه هذا الحديث. فأخبره أنه سمعه من سعد بن إبراهيم! أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت