صحت شكوك شعبة بن الحجاج بأن عبد الله بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من عقبة بن عامر مباشرة. وهنا كان على شعبة البحث مرة أخرى.
ولم يكن هذا الشخص الذي سماه عبد الله بن عطاء ممن ذهبوا للحج في هذا العام، بل كان في بلده بالمدينة المنورة. فرحل شعبة بن الحجاج ثانية إلى المدينة، ولقي هذا الرجل، وسأله عمن سمع منه هذا الحديث. فأخبره بأنه سمع هذا الحديث من رجل آخر يقطن في البصرة. وهنا شك شعبة في الأمر، ولكنه أراد أن يكمل هذا الأمر للنهاية. فرجع إلى البصرة، فلقي الرجل الذي سُمي له. وسأل شعبة هذا الرجل عن ذلك الحديث، فأخبره أنه سمعه من أحد الضعفاء! وهنا أيقن شعبة بن الحجاج بضعف هذا الحديث، وقال: لو صح لي مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين!!
فانظر رحمك الله ما فعله الإمام شعبة بن الحجاج، عليه رحمة الله تعالى، من أجل التأكد من صحة حديث واحد، فقد طاف بلدانا شتى، ودخل مدائن عدة حتى وقف على علته. وقارن بين ما فعل هذا الإمام الجهبذ، وبين ما نفعله نحن في هذه الأيام! فنحن الآن يأتينا الحديث، ونعرف مدى صحته، ومع ذلك لا نعمل به. إن السلف الكرام قد تكلفوا أعظم مشقة في سبيل الإبقاء على هذا الدين غضا طريا، وفي سبيل توصيله إلينا رائقا نقيا، وليس مطلوب منا الآن إلا العمل! فهم قد تكلفوا مشقة البحث عن النصوص، ثم العمل بها. أما نحن فالنصوص لدينا متاحة، ولكننا لا نريد حتى أن نعمل!!
ومن أعجب منها هذه الرحلة التي قطعها بَقِيّ بن مَخْلَد الأندلسي إلى بغداد مشيا على قدميه وسنه نحو عشرين سنة، وكان جُل بغيته ملاقاة الإمام أحمد بن حنبل والأخذ عنه. والخبر أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (13: 292) : حُكي عنه أنه قال: لما قربت من بغداد، اتصل بي خبر المحنة التي دارت على الإمام أحمد بن حنبل، وأنه ممنوع من الاجتماع إليه والسماع منه، فاغتممت بذلك غما شديدا ... ثم خرجت استدل على منزل أحمد بن حنبل، فدُللت عليه، فقرعت بابه، فخرج إليّ وفتح الباب، فنظر إلى رجل لم يعرفه. فقلت: يا أبا عبد الله، رجل غريب، نائي الدار، هذا أول دخولي هذا البلد، وأنا طالب حديث ومُقيد سنة - أي جامع سنة - ولم تكن رحلتي إلا إليك، فقال لي: ادخل الأُصطوان - يعني به الممر إلى داخل الدار - ولا تقع عليك عين.
فدخلت، فقال لي: وأين موضعك؟ قلت: المغرب الأقصى. فقال لي: إفريقية؟ فقلت: أبعد من ذلك، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية، بلدي الأندلس. فقال لي: إن موضعك لبعيد، وما كان شيء أحبّ إليّ من أن أُحسن عون مثلك، غير أني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك. فقلت له: بلى، قد بلغني، وأنا قريب من بلدك مقبل نحوك.