الصفحة 49 من 122

ثم قلت له: أبا عبد الله، هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنت لي أن آتي في كل يوم في زي السُؤَّال - أي من يسألون الناس، أي الشحاذين - فأقول عند باب الدار ما يقولونه، فتخرج إلى هذا الموضع، فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث واحد، لكان لي فيه كفاية. فقال لي: نعم، على شرط ألا تظهر في الخَلق، ولا عند المحدثين، فقلت: لك شرطك.

فكنت آخذ عصًا بيدي، وألُفُّ رأسي بخرقة مدنسة، وأجعل كاغدي - أي ورقي - ودواتي في كمي، ثم آتي بابه فأصيح: الأجر رحمكم الله. والسؤال هنالك كذلك، فيخرج إليّ ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر، حتى اجتمع لي نحوٌ من ثلاث مئة حديث ... ثم أكمل رحلته في طلب العلم معه.

وهكذا ففي سبيل تلقي العلم، فقد قام برحلة طويلة شاقة مشيا على الأقدام. ثم بعد ذلك، لم يفت في عزمه العقبة الكأداء التي وجدها بعد وصوله للبلد التي يريد أن يتلقى العلم فيها، وهي منع الشيخ الذي أراد أن يتلقى العلم عنه من الجلوس للطلاب والحديث معهم، بل احتال وركب الصعب، حتى يحصل على العلم الذي يريده.

بل إنك تجد من شدة نهم السلف الصالح لطلب العلم، والحديث الشريف على وجه الخصوص، أنهم خصوا ذلك بالتأليف، فتجد مُؤّلِفًا جهبذا مثل الخطيب البغدادي، يفرد مُؤّلَفًا خاصا عن رحلات السلف في طلب العلم، ويسميه"الرحلة في طلب الحديث". يصور فيه رحلات السلف في طلب الحديث الشريف، والمشاق التي تحملوها، ويثبت فيه الأعاجيب التي وردت في ذلك.

والمتأمل الآن في حال الخلف يجد أن البون شاسع بيننا وبين سلفنا الكرام. فقد انحصرت رحلاتنا إما في طلب المال أو في طلب المتعة. وحتى من يرحل لطلب العلم في أيامنا هذه، فهو لا يهدف إلا للحصول على المال من وراء هذا العلم الذي يتلقاه. حتى أن أصدق وصف يمكن وصف رحلاتنا الحالية هو"الرحلة في طلب المال"!!!

فمنذ أن ينهي الفرد منا دراسته، لا تجده مهتما بشيء إلا بكيفية السفر للخارج لجمع المال، وبشتى السبل الشرعية وغير الشرعية. فهو في سبيل هذا الهدف، من الممكن أن يسلك سبلا غير مشروعة لدخول الدولة التي يظن أنها ستدر عليه المال الوفير. وبالطبع فهو لا يلقي بالا للبيئة التي قد يضع فيها نفسه - إن أفلحت محاولاته للسفر وكللت بالنجاح - ليستقر داخل إحدى البلدان غير المسلمة. فهو لا يهتم كثيرا بما إذا كانت هذه البيئة كافرة تصده عن دينه، بل المهم أن يحصل على المال وحسب.

ثم تجد منهم من يسعى للسفر للدراسة للخارج. وما أدراك ما الدراسة في الخارج؟ فتأتي المنح الدراسية للتعلم في بلاد الغرب التي تغري الطلاب بفتح آفاق جديدة لهم ثم للحياة من بعد ذلك. وتتحمل الدول الغربية آلاف الدولارات لتغطية مصروفات هذه المنح من سفر ودراسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت