الصفحة 80 من 122

-حسبك يا أبا سعيد ... حسبك.

فقال له الحسن:

-لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه.

وفي اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغضب، وقال لجلاسه:

-تبا لكم وسحقا! يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما يشاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه؟! والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء!!

ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه. ثم وجه إلى الحسن بعض شرطه، وأمرهم أن يأتوه به. وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن، فشخصت إليه الأبصار، ووجفت عليه القلوب. فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد، حرك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية إلى الله.

فلما رآه الحجاج على حاله هذه، هابه أشد الهيبة، وقال له:

-ها هنا يا أبا سعيد ... ها هنا!!

ثم ما زال يوسع له ويقول:

-ها هنا ...

والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه. ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بجنان ثابت وبيان ساحر وعلم واسع. فقال له الحجاج:

-أنت سيد العلماء يا أبا سعيد!!

ثم دعا بغالية [1] وطيب له بها لحيته وودعه. ولما خرج الحسن من عنده، تبعه صاحب الحجاج وقال له:

-يا أبا سعيد! لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك. وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك!! فماذا قلت؟!!

فقال الحسن:

-لقد قلت:"يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما عليّ كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام".

(1) أنواع من الطيب تمزج ويتطيب بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت