وقال الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. [1] وقال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم، أو قال: زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله. [2]
قال ابن سريج: سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد، فدفع إليّ كتابًا نظرت فيه وكان قد جمع فيه الرخص من زَلَلِ العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين! مؤلف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب. [3]
هذه الأقوال تعني كذلك أن العامي المقلد، أي الذي ليس لديه علم شرعي ويقلد مذهب مفتيه، يمكن أن يتخذ شيخا واحدا له يفتيه في كل أموره وشئونه. ذلك أن تتبع المفتين والعمل برخصهم سيفضي بالمستفتي إلى الخروج من ملة الإسلام، كما حذر هؤلاء الأفذاذ. وهذا ما نشاهده واضحا جليا في حياتنا المعاصرة. فمع قلة عدد المتفرغين لتلقي العلم الشرعي، وضحالة هذا العلم أساسا، اعتمد معظم الناس في أمور دينهم على استفتاء بعض الأفراد. ونتج عن هذا انتشار الآراء الضعيفة في المذاهب الفقهية بين الناس. كما أصبحت فتاوى الدين تأتي ممن ليس لهم أدنى علم بأمور الشرع، بل كان لمناصبهم أكبر الأثر في انتشار آرائهم، كأن يكونوا رؤساء لتحرير الصحف والمجلات أو محررين فيها أو مذيعين في الفضائيات.
على أن الذاهبين إلى هذا القول لم يمنعوا الإفتاء بما فيه ترخيص إن كان له مستند صحيح. قال ابن القيم: لا يجوز للمفتي ... تتبع الرخص لمن أراد نفعه ... فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استُحبّ، وقد أرشد الله نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث: بأن يأخذ بيده ضغثًا فيضرب به المرأة ضربة واحدة ... فأحسن المخارج ما خلص من المآثم، وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم. [4]
تشدد المفتي وتساهله:
قال النووي: يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه. فمن التساهل ألا يتثبت، ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر. فإن تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا
(1) السنن الكبرى للبيهقي، 10: 356، [ح: 20918] .
(2) لوامع الأنوار البهية، 2/ 466.
(3) السنن الكبرى للبيهقي، 10: 356 - 357، [ح: 20921] .
(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين، 4/ 205.