ثم بعد أن تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلّغ عن ربه، صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبيلة قبيلة.
فلما سمعوا قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش. فلما اجتمعوا أخذ يدعوهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخص وعم. ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يُذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت فيه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} ] المسد: 1 [.[1]
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج يتبع الناس في منازلهم وفي عُكَاظ ومَجَنَّة وذى المَجَاز، يدعوهم إلى الله، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب. وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. [2] وقد رُوي ما يفيد أن أبا لهب كان لا يقتصر على التكذيب، بل كان يضربه بالحجر حتى يدمى عقباه. [3]
ولما بدأت قريش في التنكيل بالمسلمين، لم تستطع في بادئ الأمر الاجتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن مع استمراره صلى الله عليه وسلم في دعوته، بدأت في مد يد الاعتداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاء والتشويه والتلبيس والتشويش وغير ذلك. وكان من الطبيعي أن يكون أبو لهب في مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رؤوس بني هاشم، فلم يكن يخشى ما يخشاه الآخرون، وكان عدوًا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء من رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه قريش. [4]
وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة ببنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشدة حتى طلقاهما. ولما مات عبد الله - الابن الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم - استبشر أبو لهب، وذهب إلى المشركين يبشرهم بأن محمدًا صار أبتر. [5]
(1) الرحيق المختوم، ص: 70.
(2) الرحيق المختوم، ص: 73.
(3) الرحيق المختوم، ص: 77، نقلا عن سيرة ابن هشام.
(4) الرحيق المختوم، ص: 76.
(5) الرحيق المختوم، ص: 76.