الصفحة 90 من 122

عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة. ثم قالت:

مُذَمَّما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قَلَيْنا

ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ فقال:"ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني".

وروى أبو بكر البزار هذه القصة، وفيها: أنها لما وقفت على أبي بكر قالت: أبا بكر! هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما ينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمُصدَّق. [1]

فماذا كانت نهايتها؟ كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة [2] من الحسك [3] فتطرحها في طريق المسلمين. فبينما هي حاملة ذات يوم حُزمة، إذ أَعْيَت، فقعدت على حجر لتستريح. فجُذبت من خلفها، فهلكت. خنقها الله بحبلها!! وقيل: لما كانت تعيّر النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف, فخنقها الله جل وعز به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار. [4]

ومما تروي لنا كتب السنة والسيرة: أن عتيبة بن أبي لهب أتى يومًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أكفر بـ {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} ] النجم: 1 [، وبالذي {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} ] النجم: 8 [. ثم تسلط عليه بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه صلى الله عليه وسلم، إلا أن البزاق لم يقع عليه. وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال:"اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك".

فماذا كانت عاقبة ذلك؟ لقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم!! فقد خرج عتيبة إثر ذلك في نفر من قريش، فلما نزلوا بالزرقاء من الشام طاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أخي هو والله آكلي، كما دعا محمد علىّ، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام. ثم جعلوه بينهم، وناموا من حوله، ولكن جاء الأسد وتخطاهم إليه، فضغم [5] رأسه. [6] وانظر

(1) الرحيق المختوم، ص: 77.

(2) حزمة كبيرة.

(3) نبات له ثمرة ذات شوك تعلق بأصواف الغنم، وهو السعدان.

(4) الجزاء من جنس العمل، الجزء الأول، ص: 257، وكذا تفسير القرطبي، تفسير سورة المسد، الآية الخامسة.

(5) عضه شديدا بملء الفم.

(6) الرحيق المختوم، ص: 89، وكذلك: الجزاء من جنس العمل، الجزء الأول، ص: 254 - 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت