إذا ذكرنا الفراسة لدى الصحابة انهالت علينا لكل منهم نماذج قد تفوق الحصر فهم للفراسة أكفاء، وهم أهل لعطاء الله لهم، مثل هذه الهبات والنفحات الربانية، ولن نسترسل في ذكر النماذج حتى لا نطيل على القارئ الكريم فيمل ولكن سنلتزم بأن نورد لكل من نذكره نموذجا واحدا ليس أكثر.
فراسة أبى بكر الصديق رضى الله عنه:
كان أبو بكر من أصدق المتفرسين ومواقفه مع الفراسة عديدة ولكننا التزمنا بعدم التطويل ونكتفى فقط بمثال واحد لفراسته وهو تفرسه في عمر بن الخطاب صلاحيته للحكم والخلافة بعده فاستخلفه على الأمة الإسلامية.
ولعل الأثر عن ابن مسعود ما زال يتردد بآذاننا"أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر في يوسف، وبنت شعيب في موسى، وأبو بكر في عمر رضى الله عنه حين استخلفه على المسلمين."
وورد أن أبا بكر لما عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب من بعده - وهذا ما لم يفعله رسول الله"الاستخلاف"-عاب عليه ولامه بعض الصحابة لشدة عمر وغلظته، فقال: لإن سألنى ربى عن هذا الفعل لأجبته"استخلفت عليهم قويا في الحق "
فأبو بكر رضى الله عنه تفرس أن الفترة المقبلة في زمن الأمة لن يصلحها إلا عمر فهو الشديد في الحق وهو من لا يهاب في الله لومة لائم، ولقد صدقت فراسة أبى بكر في عمر.
فكان عمر جديرا بها دون غيره، ملأ الدنيا عدلا وتقوى حتى صار مثلا يحتذى به في العدل بين الرعية وهذا أمر صعب المنال حتى قيل له يا عمر: لقد اجهدت الخلفاء من بعدك ياعمر""
يقول ابن القيم"كان الصديق رضى الله عنه أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب رضى الله عنه. [1] "
(1) مدارج السالكين 2/ 485