المبحث الثانى
القضاء بالفراسة
إن القضاء مهمة صعبة انتدب الله إليها بعضا من خلقه واستأمنهم على هذه المهمة وهى مهنة الأنبياء"يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى"وهى وصية الله لكل من تَنَصبَ مهمة القضاء أن يتحرى الدقة ويحكم بين الناس بالحق ولا يركن إلى الهوى.
ومعلوم اختلاف العلماء حول قضاء القاضى بعلمه هل يجوز أولا يجوز؟ والأرجح أنه لا يجوز، لأن الحكم يقوم على الأدلة والبراهين الظاهرة والله يتولى السرائر، لذا فإن حكم الحاكم وقضاء القاضى لا يحل حراما ولا يحرم حلالا وإلى هذا المعنى أشار النبى - صلى الله عليه وسلم -"فمن قضيت له بحق مسلم ... فإنما هى قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها"الحديث [1]
والفراسة كما هو معلوم حالة فردية وفى أغلب أحوالها أنها لا ضابط لها، وعليه فالقضاء بالفراسة أمر مرفوض وغير معول عليه حتى لا يصير القضاء فوضويا لا ضابط له بل هى أدلة وبراهين وقرائن، والنبى ذاته قد يطلعه الله على بعض الغيب حسب إرادة الله ومع ذلك كان في قضائه وقافا عند الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة"ولعل أحدكم يكون ألحن بالحجة من أخيه فأقضى له" [2]
وإذا كان النبى لم يحكم في الخصومات لا بعلمه و لا بالفراسة فأولى بنا أن نقتدى برسول الله ونقف في القضاء عند ما توفر من الأدلة والبراهين والله تعالى يتولى السرائر
وهذا لا يعنى إهمال الفراسة على الإطلاق لكن المراد ألا تكون الفراسة مصدرا من مصادر القضاء والتشريع ومع هذا فيمكن الاستعانة بالفراسة فيما يخص الحكم والقضاء كالاستماع الى الشهود بفراسة أو التفرس في الشهود الصدق أو الكذب حسب ما يظهر للمتفرس مما يعينه على تثبيت وجهة نظره.
(1) الحديث رواه البخارى في صحيحه عن آم سلمة برقم 2326 2/ 867،ومسلم أيضا في الأقضية باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة 3/ 1337 برقم 1713.
(2) جزء من الحديث الذى سبق تخريجه في الصفحة السابقة.