السورة نعماءه وأَذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها [1]
وتكرار هذه الفاصلة إثر بعض الآيات التى تدل على الوعيد والتهديد"يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى آلاء ربكما تكذبان" [2] قد يوهم عكس ما قلناه من أن التكرار يفيد تعدد النعم من الله تعالى 0
لكن هذا الإيهام يندفع بقليل من التدبر، وذلك أن النعم لا تكمن كلها في العطاء المباشر، ولكن هناك نوع آخر من النعم يخالف إيصال الخير وهو دفع الشر 0
والسورة اشتملت على كلا النوعين، بمعنى أن بيان مآل العاصين والكافرين هو في حد ذاته عصمة للإنسان من الوقوع والتلبس بما تلبسوا به فيصيبه ما أصابهم، وهو عين النعمة من الله تعالى، وهكذا لابد أن نفهم كل ما جاءنا من تشريع إلهى فهو نعمة من الله، وأن نستبطن من المحنة المنحة، وأن نستنطق التكاليف فتخرج كلها في ثوب النعم من الله تعالى، فنصيب عندئذ حقيقتها 0
الموطن الثالث: التكرار في سورة المرسلات:
ويمكننا أن نستحضر ما قلنا في التكرار في سورتى"القمر، الرحمن"إذ الكل من لدن حكيم خبير، والجميع يصدر من مشكاة واحدة 0
فكررت الفاصلة"ويل يومئذ للمكذبين"بعد أن مهد لها تمهيدا هيأ لها المُقام والتكرار فيها له سبب وغاية، تكمن في تذكير وتوعد المكذبين وبيان لسوء مآلهم ومصيرهم عند الله حتى لا يصنع أحد صنيعهم، فيئول إلى ما آلوا إليه 0
وهكذا يتضح للقاصى والدانى بما لا يدع مجالا للشك، أن القرآن الكريم قد أجاد في توظيف التكرار حتى لكأنه ليس بمكرر بل هو أصلى فيه، مهما تقول المتقولون عليه، واجترأ عليه من فسد ذوقه اللغوى، فرموه بما هو مدح فيه، ولكن شبهتهم تعود وهى تجر أذيال الخزى بعد أن تفتتت على صخرة القرآن الصلبة، ويرمى بها القرآن مفتتة في وجوههم بعد أن حملها رسالة سجلها عليهم التاريخ، ولكأنى بالقرآن الكريم يقول لهم:
إذا محاسنى اللاتى أدل بها ... *** ... كانت ذنوبى فقل لى كيف أعتذر [3]
(1) راجع زاد المسير 5/ 461
(2) الرحمن 35،36
(3) البيت للبحترى راجع معجم الأدباء لياقوت الحموى 2/ 485،بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر 1/ 106