فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 61

جاء الدور أن نقف مع هذه الظاهرة عند المعاصرين, فلم يكن علماؤنا المعاصرون بمنأى عن دراسة هذه الظاهرة والتنويه إليها من خلال كتاباتهم حول القرآن الكريم.

ويمكننا أن نقول: إن الجميع قد شهدوا للقران برتبته البلاغية وأسلوبه الفريد المعجز، ولكن مع هذا الاتفاق نجدهم قد اختلفوا حول مسمى هذه الظاهرة، فمن العلماء من أقر بهذه التسمية وأقر بوجودها في القرآن وحسنِ توظيف القرآن الكريم لها 0

ومنهم من أقر بهذا، ولكنهم لم يطلقوا عليها اسم"التكرار"بل سموها تارة بـ"التكامل"وتارة أخرى بـ"التنوع".

وعليه فالمحدثون إزاء تسمية هذه الظاهرة في القرآن الكريم على مذهبين:

1_المذهب الأول: يرى أن التكرار بهذا الاسم ليس ذما أو قدحا، بل هو أمر مرغوب، وأسلوب بلاغى متميز ومعجز، كانت له أغراض في كل موطن قد وفى بها , فالتكرار لدى هذا المذهب وجه من وجوه البلاغة القرآنية ولون من ألوان إعجازه.

وقد تبنى هذا المذهب عدد من المعاصرين يصعب حصرهم ومن بينهم:

المحقق: عبد القادر أحمد عطا: فهو مقر بوجود التكرار في القرآن الكريم، شاهدا للقرآن بحسن توظيف هذه الظاهرة، ويبدو أنه متأثر فيما ذهب إليه بشيخه الكرمانى الذى حقق كتابه"أسرار التكرار في القرآن"فيقول الشيخ عبد القادر عطا:"وهذا الوجه - أى التكرار - يمكن أن نسميه تجاوزا بـ"التركيب الكيميائى للقرآن"وذلك أن أسلوب القرآن من هذه الوجهة مركب تركيبا دقيقا بالغ الدقة، بحيث تقرب منه التركيبات المعملية التى توزن على مقادير بالغة الدقة، ولا تؤتى النتيجة المأمولة منها إذا اختلت هذه التراكيب في جزء من مائة منها،"

وهذا توجيه من توجيهات المكررات القرآنية، يمكن أن نتبينه واضحا من خلال قوله تعالى في سورة البقرة:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [1] وقوله تعالى في سورة المائدة:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا

حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" [2] "

فقوله تعالى على لسان الكفار"بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا"لا يمنع أن يرجعوا عن اتباع آبائهم، فهم لم يبلغوا النهاية في دعوى إيمانهم بالأوثان، ولهذا استعمل الله تعالى في نفى هدايتهم لفظا لا يبلغ النهاية في اليقين، وهو قوله"أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا"فإن فوق العقل في اليقين"العلم"، أما في المائدة فقد بلغ الكفار النهاية في الاعتداد بالأوثان، وقطعوا على أنفسهم طريق العودة عنها بقولهم

(1) البقرة 130

(2) المائدة 104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت