الثاني: أن الدلائل إذا تعارضت فدلّ بعضها على إثبات حكم وبعضها
-قوله رحمه اللّه: «أن النصوص إذا وردت؛ فإن وافقت المعقول تركت ظواهرها، وإن خالفت صريح المعقول وجب تأويلها ... » .
هذا الكلام غير متفق عليه بين أهل العلم، وبيان ذلك:
أن النصوص الشرعية الصحيحة، المنزلة من عند اللّه، والتي نطق بها رسل اللّه، لا تعارض فيها البتة، بل ولا مخالفة فيها لصريح المعقول، بل إن العقل قد لا يستوعبها، أو أن المرء لا يفهم المقصود من الكلام فيحمله على محمل غير مراد، أو أنه قد يحصل قصور في الفهم والإدراك.
واعلم أن المتفق عليه بين أهل العلم: أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح.
ولمن أراد التوسع والتفصيل حول هذه المسألة؛ فعليه بالرجوع إلى الكتاب الفذ «درء تعارض العقل والنقل» للإمام الفذ: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني- طيّب اللّه ثراه- ففيه ما يشفي العليل به صدره، حول هذه المسألة المهمة. هذا أولا.
أما ثانيا: فلعل الحامل لكلام الغزالي السابق؛ ما يحويه الإنجيل من كلام يخالف صريح المعقول، لكن هذا لا يستدعي ما ذكره الغزالي من اللجوء إلى التأويل والرد إلى المجاز، إذ أن هذا الإنجيل لا يدخل تحت قول العلماء: (صحيح المنقول) ، حيث أنه من المتفق عليه بين العلماء والعقلاء أن الإنجيل تم تحريفه بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فلا يعوّل على نقل أو نص محرف غير صحيح.
-أما قوله رحمه اللّه: «وجب تأويلها واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة ... » .
ليعلم أن التأويل يطلق ويراد به معان عدّة، لذلك سنشرع في تعريفه، وذكر أنواعه، وبيان كلام العلماء حول التأويل، وذلك باختصار وجيز، ما أمكن.
تعريف التأويل، لغة: هو تفعيل من آل يؤول إلى كذا، أي صار إليه، فالتأويل: التصيير، وأوّلته تأويلا إذا صيّرته إليه. انظر: «مختصر الصواعق المرسلة» للعلامة ابن قيم الجوزية ص 39.
وقال الراغب: التأويل: رد الشيء إلى الغاية المرادة منه قولا كان أو فعلا، وفي «جمع الجوامع» : هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل؛ فصحيح. أو لما يظن دليلا؛ ففاسد. أو لا لشيء؛ فلعب لا تأويل.
انظر قول الراغب في كتاب: «قضية التأويل في القرآن الكريم بين الغلاة والمعتدلين» لإبراهيم بن حسن بن سالم. نشر دار قتيبة- بيروت (1/ 35) .
أما التأويل اصطلاحا، فقد اختلف فيه العلماء اختلافا واسعا، وذلك بسبب تقسيم البعض للتأويل وعدم التقسيم عند البعض الآخر، أو بسبب بعض المصطلحات عند بعض الفرق، واستخدام تلك المصطلحات لأغراض شتى، كنفي الصفات عند البعض، أو تحريف النصوص باسم التأويل وتفسيرها بما يتناسب وعقائد تلك الفرق، وهكذا.
لكننا سنذكر هنا ما اصطلح عليه علماء السلف والمفسرون من تعريف التأويل. فنلخص ما-