فالجواب: أن هذا غير لازم البتة، لأن المعنى من كون اللّه خالقا:
تقديره الخلق في الأزل، وهذه الصفة ثابتة له أزلا.
فإذا خلق مخلوقا؛ فعلمه بوجوده في زمن خلقه/، والقدرة على إيجاده في ذلك الزمن أيضا، كلاهما ثابت أزلا.
فلم يبق حادث سوى وجوده، ووجوده ليس صفة قائمة بذات الإله جلّ اسمه، بل بذات المخلوق، وأما نسبة الوجود إلى تأثير القدرة فيه زمن إيجاده، فذلك من باب النّسب والإضافات.
والنسب والإضافات ليست أمرا وجوديا، كالفوقية والتحتية، والأبوّة والبنوّة «1» وهذا معنى بيّن الظهور، بخلاف ما تقدّم، فإنه إذا اتّحد بالناسوت، كان اتحاده به صفة قائمة بذاته، تعالى اللّه عن ذلك، ثم لو فرض/ وجود هذه الحقيقة، فالقول بأنها حقيقة ثالثة مغايرة لكل واحد من اللاهوت والناسوت، موصوفة بكل ما يجب لكل واحد منهما، من لوازم الإنسان وملزوماته، وصفاته، من حيث هو إنسان، وما يجب للإله ويستحيل عليه من الصفات الثابتة له من حيث هو إله، كلام متهافت. لا مطمع لأحد في تحقيقه.
وبيانه: أن الشيء إنما يوصف بصفة إذا كان وصفه بها ممكنا، وإذا ثبت ذلك امتنع أن تجري على هذه الحقيقة أحكام اللاهوت وأحكام الناسوت، لأن جميع ما يجب/ للّاهوت من الصفات وغيرها المختصّة به، من حيث هو لاهوت، المميّزة له عن غيره، إن كانت ثابتة للحقيقة الثالثة، لزم أن يكون عين اللاهوت، وكذلك القول في الناسوت، لاشتراكهما معهما في جميع لوازم كل واحد منهما، وجميع ملزوماته وصفاته الثابتة له من حيث هو إله، ومن حيث هو إنسان، على حدّ ما ذكر. إذ لو ثبتت المغايرة، والحالة هذه، للزم أن نثبت لشيء جميع ذاتيات الإنسان المقومة لحقيقته، وجميع عوارضه اللّازمة والمفارقة، ونفرض مع ذلك/ حقيقة مغايرة لحقيقة الإنسان. هذا من المحال البيّن.
لأن جميع ذاتيات الإنسان المقومة له، وجميع عوارضه الثابتة له من
(1) سيأتي الكلام على الأبوة والبنوّة ومعانيهما.