الصفحة 81 من 98

وقوله له أيضا: «ارع خرافي، ارع كباشي، ارع نعاجي» «1» .

يريد بذلك طوائف أمته. صرّح بهذه الكلمات يوحنّا في آخر إنجيله.

ويدل على صحة هذا التأويل أيضا قوله: «إني قبل إبراهيم» . القبلية هاهنا محال أن تكون/ مضافة إلى ناسوته، لا باعتبار انفكاكه عن اللاهوت، ولا باعتبار تعلقه به، ومحال أن تكون أيضا مضافة للحقيقة الثالثة، لما تبيّن، إذ هذه كلها حوادث لم تكن موجودة عند وجود إبراهيم عليه السلام، بل المراد بالقبلية علمه بتقدير الإرسال وما يترتب عليه من الإرشاد، هذا هو المعنى الذي حمله على السرور.

فإن قيل: فأي خصوصية له في ذلك، إذ هذا المحمل مشترك بينه وبين سائر الأنبياء، بل وبين كل موجود «2» ؟

فالجواب: أنه لم يذكر ذلك في معرض الخصوصية، وإنما/ ذكره قاطعا به استبعاد اليهود لسرور إبراهيم وفرحه بيومه، وتصحيحا لصدقه فيما أخبر، لأن الأنبياء إذا صدر منهم مثل ذلك، إنما يصدر في معرض التكذيب لأقوالهم، وإنما يدّعونه من الرسالة، ليس ثابتا في نفس الأمر، فيكون ذلك ردّا على المكذّب وإعلاما له بأن هذه الدعوى ثابتة في نفس الأمر، مقررة في علم اللّه قديما. ويدل على صحة هذا التأويل أن عيسى عليه السلام إنما ورد منه ذلك حين أعظم اليهود قوله، قائلين: «لم يأت لك بعد خمسون سنة» /.

فذكر حينئذ الجهة المصحّحة لسرور إبراهيم، فيحصل لهم بذلك استمالة مكذبيهم إلى صدقهم فيما يدعونه من النبوة والرسالة، وتقوية ظنون مصدّقيهم، الذين لم يصلوا إلى درجة العلم.

وقد ورد مثل ذلك في ألفاظ سيّد المرسلين، حيث قال:

«كنت نبيّا، وآدم بين الماء والطين» «3» .

(1) إنجيل يوحنا- الإصحاح الحادي والعشرين- (15 - 17) .

(2) في المطبوع: [موجد] !

(3) هذا الحديث لا يصح نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، فهو حديث موضوع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه اللّه تعالى- في «رده على البكري» (1/ 65، 66) :

«هذا مما لا أصل له، لا من نقل ولا من عقل، فإن أحدا من المحدثين لم يذكره، ومعناه-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت