وأفضل منها يصنع، لأني ماض إلى الأب» هذا آخر كلامه «1» .
فأقول: هذا النص كالنص الذي أنكر اليهود إطلاقه، واعتذر عنه ضاربا لهم المثل، وقد مضى القول فيه مبيّنا، وزاده هاهنا بيانا، وصنع «2» فيه ما عادته أن يصنعه؛ وهو أنه- صلوات اللّه عليه- لم يأت قطّ بلبسة إلا وأتبعها كاشفا يظهر خفاءها، وبيان ذلك:
أنه حين سئل «3» أن يريهم الإله، وكان ذلك/ مما لا يمكن إسعافهم به، عدل عن مسئولهم، قائلا: «من رآني فقد رأى الأب» . يريد أن الإله، لما كانت رؤيته غير ممكنة للعباد «4» ، أقام للأنبياء في تبليغهم أحكامه مقام نفسه، وهذا شأن الملوك المحتجبين، فبأمره يأمرون، وبنهيه ينهون، وبأحكامه يحكمون.
ثم صرّح بعدم إرادة ظاهر هذا اللفظ، فقال: «و هذا الكلام الذي أتكلم، ليس هو من عندي» ثم بالغ في البيان، فقال: «بل أبي الذي هو حال فيّ يفعل هذه الأفعال» .
يريد أن أقواله/ ليست للإله؛ بقيد كونها مفردة، بل وأفعاله.
أي: وكل كلام صدر منّي متضمنا حكما؛ فهو من اللّه، لأني عنه أخبر، وكل ما ترونه من الأفعال الباهرة للعقول، الناطقة بخوارق الأنبياء؛ فذلك فعله، لأنه واقع بقدرته.
وقد سلف منا تصريح بولص الرسول بما يعضد هذا التأويل، وذكرنا
(1) سبق ذكر هذا النص في الكتاب.
(2) في المطبوع: [وضع] !
(3) في المطبوع: [طلب] .
(4) هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإن المؤمنين يرون ربهم جلّ وعلا، كما قال جلّ شأنه:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] . وكما قال النبي صلوات اللّه وسلامه عليه: «إنكم ترون ربكم عزّ وجلّ يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته» أخرجه البخاري في «صحيحه» رقم (7436) ، وغيره. ولمزيد من الفائدة حول هذا الموضوع، ننصح القارئ بالرجوع إلى كتاب «الشريعة» للآجري، (كتاب التصديق بالنظر إلى اللّه عز وجل) في أول المجلد الثاني من الكتاب، طبعة مؤسسة قرطبة، بتحقيق:
الوليد بن محمد بن نبيه سيف النصر.