إلى صنع الإله. فيصرّح بالسبب الحقيقي، لفوات السبب العادي.
وإذا وضح هذان الأصلان، نقول:
السبب القريب في حق عيسى عليه السلام، لمّا دلّ الدليل على عدم وقوعه؛ أضيف تكوينه إلى السبب البعيد، وهو الكلمة، لأن كل أحد مخلوق بكلمة اللّه القائل بها لكل مخلوق: «لكِنْ» فإذا هو كائن. فلهذا السبب صرح في حقه بذلك، إشارة إلى انتفاء السبب القريب العادي، وأنه إنما كوّن الكلمة/ التي هي: «لكِنْ» ، من غير مني. يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح.
ثم أوضح ذلك بقوله: «أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ» . يريد: أن الولد إنما يتكون من إلقاء المني إلى أمه. وهذا المولود لم يخلق إلا بإلقاء الكلمة إلى أمه، التي هي عبارة عن الأمر بالتكوين، فإذا الإلقاء مجازي.
وقد ورد مثل ذلك في حق آدم، لما اشتركا في عدم التكوين عن الأسباب العادية، حيث قال جلّ من قائل: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ «1» . واللّه عزّ وجلّ لا يد له، وإنما المراد: خلقته بقدرتي «2» ، إشارة
(1) سورة ص: 75.
(2) هذا القول الذي حكاه الغزالي هو قول الأشاعرة في الصفات، حيث أنهم أنكروا أن اللّه يدا، ثم أولوا الألفاظ الواردة في القرآن الكريم، والثابتة عن الرسول الكريم صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى معان أخرى غير مرادة، مثل ما صنع الغزالي هنا؛ حيث أنه نفى صفة اليد للّه تعالى وأولها بمعنى القدرة.
وهذا الموضوع من المواضيع الطويلة التي افترق فيها المسلمون إلى فرق كثيرة، وآراء عديدة. ولا مجال لاستعراض ذلك هنا، لكننا سنلخص ما أثبته أهل السنة والجماعة في هذا الباب:
جرى أهل السنة كعادتهم على الأخذ بظواهر النصوص، وعدم إفساد معانيها بالتأويل أو التعطيل، لا سيما في نصوص الأسماء والصفات، فأثبتوا ما أثبته اللّه لنفسه من غير تشبيه له بخلقه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف.
ومن جملة ما ورد من الصفات الثابتة للّه عزّ وجلّ في الكتاب الكريم وفي صحيح سنة الرسول الأمين صلوات اللّه وسلامه عليه؛ صفة اليد. فأثبتوا أن للّه يدا تليق بجلاله لا تشبه يد المخلوقين، فكما أن للّه سمعا وبصرا وقدرة لا تشبه سمع وبصر وقدرة المخلوقين، بل هي لائقة بجلاله، فكذلك الأمر في باقي الصفات الثابتة للّه، ومنها صفة اليد. هذا أولا.-