إلى أنه لم يكوّن من مني، وإنما كوّن/ بقدرته. يشير بذلك إلى فوات السبب العادي، وإذا فات السبب العادي، أضيف إلى السبب البعيد المشبّه بالحقيقي؛ وهو: كلمة اللّه عزّ وجلّ، وقد أتى بالمماثلة صريحا، فقال:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1» .
وكذلك أيضا، قوله: ورُوحٌ مِنْهُ «2» أي: وهو روح، تكوينها صادر عنه، منفكا عن الأسباب العادية التي يضاف إليها المسبّب عادة. فالصلة؛ في مكان الصفة للروح. فإن قيل: تمام هذه الحجة فرع لكون الكلمة سببا، وسببها/ فرع لردّها لقاعدة الشرط وما يترتب عليه من الجواب، وذلك ممتنع لما يلزم من عدم المغايرة بين المسبّب وسببه.
قال الفارسي «3» : لو جاز أن يكون مثل ذلك جوابا لكان قوله تعالى:
-أما ثانيا: فإن تأويل معنى اليدين إلى القدرة؛ باطل في لغة العرب.
وبيان ذلك:
-أن العرب قد تطلق اليد بمعنى القدرة والنعمة وغيرهما، إلا أن اليد إذا ثنّيت فلا يجوز إطلاقها إلا على معناها الحقيقي. وفي هذه الآية جاء اللفظ هكذا «بيدي» ، فلا يحمل ذلك المعنى إلى القدرة لأنه لا يجوز أن يقال: إن للّه قدرتين أو نعمتين!!
لذا قال الشوكاني- رحمه اللّه-: «و قيل: التثنية في اليد؛ للدلالة على أنها ليست بمعنى القوة والقدرة، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه» . انظر «فتح القدير» (4/ 586) .
ثالثا: أن هذا التأويل لم يرد عن أحد من الصحابة أو التابعين، وهم أعلم بكتاب اللّه منا.
رابعا: أنه لو كان المراد باليد القوة، ما كان لآدم فضل على إبليس، بل ولا على أحد من المخلوقات الأخرى، لأنهم خلقوا بقدرة اللّه وقوته، ولو كان المراد باليد القوة والقدرة؛ ما صحّ الاحتجاج على إبليس، إذ أن إبليس سيقول: وأنا يا رب خلقتني بقوتك، فما فضله علي؟!
وللمزيد حول هذا الموضوع؛ انظر: «مجموعة الفتاوى» (5/ 65) و «شرح العقيدة الواسطية» للعلامة محمد بن صالح العثيمين (1/ 291 - وما بعدها) . و «إبطال التأويلات» لأبي يعلى الفراء بتحقيق محمد الحمود النجدي. وغيرها من كتب العقيدة السلفية. واللّه الموفق.
(1) سورة آل عمران: 59.
(2) سورة النساء: 171.
(3) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، أبو علي. عالم بالنحو. من كبار علما العربية، ولد سنة 288 في فسا، في بلاد فارس. دخل بغداد سنة 307، وقدم حلب سنة-