نتائج البحث عن (فَظَّ ) 50 نتيجة

حفظ العهد:[في الانكليزية] Observation of the divine law [ في الفرنسية] Observation stricte de la loi divine هو الوقوف عند ما حدّه الله تعالى لعباده، فلا يفقد حيث ما أمر، ولا يوجد حيث ما نهي، كذا في اصطلاحات الصوفية لكمال الدين أبي الغنائم.
حفظ عهد الرّبوبية:[في الانكليزية] Theodicy ،attribution of every perfection to God and every misdeed to man [ في الفرنسية] Theodicee ،attribution de toute perfection a Dieu et de tout mal a l'homme والعبودية هو أن لا ينسب كمالا إلا إلى الربّ ولا نقصانا إلّا إلى العبد، كذا في الاصطلاحات الصوفية.
حَافِظ مُحَمَّد
انظر: حافظ ومحمد.
حَافِظ الله
من يحرس دين الله ولا يتعدى حدوده.
حفظ عهده الربوبية: أن لا تنسب كمالا مطلقا إلا إلى الرب ولا نقصا إلى إلى العبد.

اسْتِعْمَال لفظ «النفس» في غير التوكيد

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

اسْتِعْمَال لفظ «النفس» في غير التوكيد

مثال: جَاء في نفس الوقتالرأي: مرفوضةالسبب: لتقديم لفظ التوكيد على المؤكَّد.

الصواب والرتبة: -جاء في الوقت نفسه [فصيحة]-جاء في نفس الوقت [فصيحة] التعليق: تستعمل كلمة «نفس» للتوكيد المعنوي، وحينئذ لابد أن يسبقها المؤكّد وأن تضاف إلى ضميره، ويجوز استعمال النفس في غير التوكيد بمعنى الذات، كما يجوز أيضًا استعمالها كذلك للتوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي «النحوي»، وقد أجاز مجمع اللغة المصري هذا الاستعمال مستشهدًا بما حكاه سيبويه عن العرب: «نزلت بنفس الجبل»، وبقول الجاحظ: «لابد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة».

وُقُوع «أنْ» بعد لفظ القول

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

وُقُوع «أنْ» بعد لفظ القول

مثال: قُلْتُ له أنْ يفعل كذاالرأي: مرفوضةالسبب: لوقوع «أنْ» بعد لفظ القول.

الصواب والرتبة: -قلت له أنْ يفعل كذا [فصيحة]-قلت له يفعل كذا [فصيحة] التعليق: اختلف النحاة في وقوع «أَنْ» بعد لفظ القول، وقد صحّح مجمع اللغة المصري هذا الاستعمال، باعتبار أنَّ «أنْ» فيه ليست مُفسِّرة، وإنما هي مصدرية، والمصدر المؤول مجرور بالباء المحذوفة.
الأربعين، في لفظ الأربعين
للشيخ، الإمام، شمس الدين: محمد بن أحمد، المعروف: بالبطال، اليمني.
المتوفى: سنة ثلاثين وستمائة.
البلغة، في حفظ الصحة
للشيخ: أحمد بن إبراهيم بن الجزار الإفريقي.
المتوفى: في حدود سنة أربعمائة.

التكملة المفيدة، لحافظ القصيدة

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

التكملة المفيدة، لحافظ القصيدة
يعني: (حرز الأماني)، للشاطبي في القراءة.
يأتي في: الحاء.

جامع الغرض، في حفظ الصحة ودفع المرض

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

جامع الغرض، في حفظ الصحة ودفع المرض
لامين الدولة والدين، أبي الفرج: يعقوب بن إسحاق الحكيم، المعروف: بابن القف المسيحي، الملكي من نصارى كرك، المتطبب.
المتوفى: سنة 685، خمس وثمانين وستمائة.
أوله: (الحمد لله، مقدس الصفات 000 الخ).
وهو مختصر؛ مشتمل على ستين فصلاً.
(حَفِظَ)الْحَاءُ وَالْفَاءُ وَالظَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّيْءِ. يُقَالُ حَفِظْتُ الشَّيْءَ حِفْظًا. وَالْغَضَبُ: الْحَفِيظَةُ ; وَذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْحَالَ تَدْعُو إِلَى مُرَاعَاةِ الشَّيْءِ. يُقَالُ لِلْغَضَبِ الْإِحْفَاظُ ; يُقَالُ أَحْفَظَنِي أَيْ أَغْضَبَنِي. وَالتَّحَفُّظُ: قِلَّةُ الْغَفْلَةِ. وَالْحِفَاظُ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأُمُورِ.
(فَظَّ)الْفَاءُ وَالظَّاءُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةٍ وَتَكَرُّهٍ. مِنْ ذَلِكَ الْفَظُّ: مَاءُ الْكَرِشِ. وَافْتُظَّ الْكَرِشُ، إِذَا اعْتُصِرَ. قَالَ الشَّاعِرُ:

فَكَانُوا كَأَنْفِ اللَّيْثِ لَا شَمَّ مَرْغَمًا...وَمَا نَالَ فَظَّ الصَّيْدِ حَتَّى يُعَفِّرَا

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِنَّ الْفَظَاظَةَ مِنْ هَذَا. يُقَالُ رَجُلٌ فَظٌّ: كَرِيهُ الْخُلُقِ. وَهُوَ مِنْ فَظِّ الْكَرِشِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَنَاوَلُ إِلَّا ضَرُورَةً عَلَى كَرَاهَةٍ. وَيَقُولُونَ: الْفَظِيظُ: مَاءُ الْفَحْلِ.
(لَفَظَ)اللَّامُ وَالْفَاءُ وَالظَّاءُ كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى طَرْحِ الشَّيْءِ ; وَغَالِبُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْفَمِ. تَقُولُ: لَفَظَ بِالْكَلَامِ يَلْفِظُ لَفْظًا. وَلَفَظْتُ الشَّيْءَ مِنْ فَمِي. وَاللَّافِظَةُ: الدِّيكُ، وَيُقَالُ الرَّحَى، وَالْبَحْرُ. وَعَلَى ذَلِكَ يُفَسَّرُ قَوْلُهُ:

فَأَمَّا الَّتِي سَيْبُهَا يُرْتَجَى...فَأَجْوَدُ جُودًا مِنَ اللَّافِظَهْ

وَهُوَ شَيْءٌ مَلْفُوظٌ وَلَفِيظٌ.

حفظ الشّيء وصونه

المخصص

صَاحب الْعين: احتفظت الشّيء لنَفْسي وَهُوَ خُصُوص الْحِفْظ، والتّحَفُّظ: قلَّة الْغَفْلَة فِي الْكَلَام والأمور مِنْهُ، والحوْط: الْحِفْظ حاطَه حَوطاً وحِياطة وتحوَّطه وَمِنْه الْحَائِط للجدار لِأَنَّهُ يحوط مَا فِيهِ، وحُوَّاط الْأَمر: قوامه.
غَيره: حاذ حَوْذاً كحاط حَوْطاً.
صَاحب الْعين: الازدهار بالشّيء: الاحتفاظ بِهِ وَأنْشد: فإنكَ قَيْنٌ وَابْن قَيْنَيْن فازْدَهِر بِكيرِكَ إنَّ الكيرَ للقَينِ نافعُ أَبُو عُبَيْد: هُوَ مُعَرَّب من نبطيٍّ أَو سرياني، ورَقبت الشّيء وراقبته: حرسته والرقيب الحارس، امقِهِ مِقْيَتَكَ مَالك وابْقُه بَقْوَتَكَ مالَك وبُقاوَتَك مالَك وابْقِه بِقْيَتَك مالَك: أَي احفظه.
أَبُو زيد: وقيتُه وَقياً ووِقاية: صنته، والوِقاء والوَقاء والوِقاية والواقية: مَا وقيته بِهِ والتّوقية: الْحِفْظ.
صَاحب الْعين: صنت الشّيء صَوناً وصِيانة وصِياناً وثوب مصونٌ ومصوون وصَونٌ وصف بِالْمَصْدَرِ والصِّوَّان والصُّوان: مَا صنت بِهِ الشّيء وَهَذِه ثِيَاب الصون والصِّينة وصان عرضه صَوناً على الْمثل.

وَمِمَّا جَاءَ على لفْظ التصغير وَلَيْسَ بمصغَّر إِنَّمَا ياؤُه بِإِزَاءِ واوِ مُحَوْقِلٍ

المخصص

قَالَ الْفَارِسِي: هِيَ أربعةٌ: مُهَيْمِن فِي صِفة الْقَدِيم سبحانَه، ومُبَيْقِر: يَعْنِي الَّذِي يلعبُ.
البُقَّيْري: وَهِي لُعبة، ومُبَيْطِر: للبَيْطار، ومُسَيْطِر: يَعْنِي الوَكيلَ وَحكى غَيره مُهَيْنِم فأمّا مُجَيْمِر اسْم مَوضِع فقد تكونُ ياؤهُ للتحقير والإلْحاق.

سعد بن عبيد أبو زيد القارىء الأنصاري قال أبو القاسم: بلغني أن سعد بن عبيد بن النعمان من الأوس وهو الذي حفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاه عمر بعض الشام وقتل سعد بن عبيد بالقادسية وهو ابن أربع وستين سنة.

معجم الصحابة للبغوي

سعد بن عبيد [أبو زيد] القارىء الأنصاري
قال أبو القاسم: بلغني أن سعد بن عبيد بن النعمان من الأوس وهو الذي حفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاه عمر بعض الشام وقتل سعد بن عبيد بالقادسية وهو ابن أربع وستين سنة.
951 - حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، قال: جمع //231// [القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم] أربعة كـ[لهم من الأنصار: أبي] بن كعب ومعاذ [وزيد] وأبو زيد رجل من الأنصار.

952 - حدثني ابن زنجويه نا [محمد] بن يوسف نا سفيان عن قيس بن مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعد بن عبيد وكان
(ح)
حافظ جميل
(1326 - 1404 هـ) (1908 - 1984 م)
شاعر.
ولد في بغداد، التحق بالجامعة الأميركية ببيروت، وتخرج فيها عام 1929 م حائزاً على درجة البكالوريوس في العلوم، وبعدها اشتغل مدرِّساً للغة العربية - مع أن تخصصه علوم - في المدرسة الثانوية المركزية ببغداد، وفي دار المعلمين الابتدائية، وفي ثانوية البصرة حتى أوائل عام 1932 م، حيث استقال من مهنة التدريس، ومن ثم تقلد عدة وظائف إدارية.

من مؤلفاته:
- " الجميليات"، وهو ديوان شعر صغير نشر عام 1923 م، عندما كان تلميذاً في ثانوية بغداد.

الحافظ غلام مصطفى

تكملة معجم المؤلفين

- "نبض الوجدان"، ديوان شعر، 1957 م.
- "اللهب المقفى"، ديوان شعر، 1966 م.
- "عرفت ثلاثة آلاف مجنون"، ترجمه عن الإنجليزية بمعاونة فائق شاكر. - بغداد، 1942 م (¬1).

الحافظ غلام مصطفى
(1336 - 1414 هـ) (1917 - 1994 م)
من أعلام الهند المسلمين.
عمل أستاذاً محاضراً في قسم العلوم الدينية بجامعة عليكرة الإسلامية.

له مؤلفات، منها:
¬__________
(¬1) الفيصل ع 87 (رمضان 1404 هـ)، ديوان الشعر العربي 1/ 601 - 603. شعراء العراق 1/ 211.

غلام مصطفى = الحافظ غلام مصطفى

تكملة معجم المؤلفين

- تفسير سورة يس. - الرياض: مكتبة المعارف، 1403 هـ، 107 ص.
- الحدود الشرعية وأثرها في تحقيق الأمن والاستقرار للمجتمع. - الرياض: مكتبة المعارف، 1401 هـ، 84 ص (¬2).

غلام مصطفى = الحافظ غلام مصطفى
غنطوس الرامي
(000 - 1414 هـ) (000 - 1994 م)
شاعر، صحفي، مذيع.
يُعَدُّ الإذاعي الأول في لبنان، وعلى يديه تتلمذت أجيال من الإذاعيين، وقد عمل في الإذاعة اللبنانية منذ تأسيسها عام 1938 م باسم "راديو الشرق".
له ديوان شعر بعنوان "سمر" (¬3).
¬__________
(¬2) بيان مؤلفات المترجم له من كتاب: دليل المؤلفات الإسلامية، الأرقام 838، 845، 846، 847، 849، 854، 2083.
(¬3) الفيصل ع 212 (صفر 1415 هـ) ص 141.

عوامل حفظ الصّحابة للكتاب والسّنّة

الإصابة في تمييز الصحابة

العامل الأوّل:
أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة، ولا يحذقون الخطّ والكتابة اللَّهمّ إلّا نزر يسير لا
يصاغ منهم حكم على المجموع، وترجع هذه الأميّة السّائدة فيهم إلى غلبة البداوة عليهم وبعدهم عن أسباب الحضارة، وعدم اتّصالهم اتصالا وثيقا بالأمّتين المتحضّرتين آنذاك الفرس والروم.
ومعلوم أن الكتابة والقراءة وإمحاء الأميّة في أيّة أمّة رهين بخروجها من عهد السّذاجة والبساطة إلى عهد المدنية والحضارة.
ثم إن هذه الأميّة تجعل المرء منهم لا يعوّل إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمّه حفظه وذكره، ومن هنا كان تعويل الصّحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ لأن الحفظ هو السّبيل الوحيدة أو الشّبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بها، ولو كانت الكتابة شائعة فيهم لاعتمدوا على النقش بين السّطور بدلا من الحفظ في الصّدور.
نعم، كان هناك كتّاب للوحي، وكان بعض الصّحابة يكتبون القرآن لأنفسهم، إلا أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة، ولعلك لم تنس أن كتابة القرآن في عهد الرّسول ﷺ كان الغرض منها زيادة التوثّق والاحتياط للقرآن الكريم بتقييده وتسجيله.
أما السّنة النّبوية
فقد نهى النّبي ﷺ أصحابه عن كتابتها أوّل الأمر مخافة اللّبس بالقرآن، إذ قال عليه الصّلاة والسّلام: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي فلا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعدة من النّار» [ (1) ] .
نعم. خشي الرّسول ﷺ أن يختلط القرآن بالسّنّة إذا هم كتبوا السّنّة كما كانوا يكتبون القرآن، أو أن تتوزّع جهودهم وهي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السّنّة وجميع القرآن فقصرهم على الأهمّ أوّلا وهو القرآن، خصوصا إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حدّ بعيد، حتى كانوا يكتبون في اللخاف والسّعف والعظام كما علمت.
فرحمة بهم من ناحية، وأخذا لهم بتقديم الأهمّ على المهمّ من ناحية ثانية، وحفظا للقرآن أن يشتبه بالسّنّة إذا هم كتبوا السّنّة بجانب القرآن نظرا إلى عزّة الورق، وندرة أدوات الكتابة، رعاية لهذه الغايات الثّلاث نهى الرّسول عن كتابة السّنّة.
أما إذا أمن اللّبس، ولم يخش الاختلاط، وكان الأمر سهلا على الشّخص فلا عليه أن
يكتب الحديث الشريف كما يكتب القرآن الكريم، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة السّنة آخر الأمر، والواردة في الإذن لبعض الأشخاص كعبد اللَّه بن عمرو- رضي اللَّه عنه-.
وأيّا ما تكن كتابة القرآن والسّنة النّبويّة، فإن التّعويل قبل كل شيء كان على الحفظ والاستظهار، ولا يزال التّعويل حتى الآن على التّلقّي من صدور الرّجال، ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النّبيّ ﷺ.
غير أنّ الرّجل الأميّ والأمّة الأميّة يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ، للمعنى الّذي تقدّم.
العامل الثّاني:
أن الصّحابة كانوا أمّة يضرب بها المثل في الذّكاء وقوة الحافظة وصفاء الطّبع، وسيلان الذّهن وحدّة الخاطر، وفي التاريخ العربيّ شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها، حتى لقد كان الرّجل منهم يحفظ ما يسمعه لأوّل مرّة مهما طال وكثر، وربّما كان من لغة غير لغته ولسان سوى لسانه، وحسبك أن تعرف أنّ رءوسهم كانت دواوين شعرهم، وأنّ صدورهم كانت سجلّ أنسابهم، وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيّامهم، كلّ أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمّة العربيّة من قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب، وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل، ونفوسهم من طهر، وعقولهم من سموّ، خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب اللَّه، ولخير الهدي، وهو هدي محمد ﷺ.
العامل الثّالث:
بساطة هذه الأمّة العربية، واقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميل إلى التّرف، ولا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات، فقد كان حسب الواحد منهم لقيمات يقمن صلبه، وكان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله: [الطويل]
وما العيش إلّا نومة وتبطّح ... وتمرٌ على رأس النّخيل وماء
وأنت تعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة وتلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت والمجهود، وترضي الإنسان بالموجود، ولا تشغل البال بالمفقود، ولهذا أثره العظيم في صفاء الفكرة، وقوّة الحافظة وسيلان الأذهان، خصوصا أذهان الصّحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن وحديث النّبي- عليه الصّلاة والسّلام وذلك على حد قول القائل: [من الطويل]
............. .... ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
العامل الرّابع:
حبّهم الصّادق للَّه ولرسوله ملك مشاعرهم، واحتل مكان العقيدة فيهم، وأنت تعرف من دراسة علم النّفس أنّ الحب إذا صدق وتمكّن حمل المحبّ على ترسّم آثار محبوبه، والتلذّذ بحديثه، والتّنادر بأخباره، ووعى كل ما يصدر عنه، ويبدو منه، ومن هنا كان حب الصّحابة للَّه ورسوله من أقوى العوامل على حفظهم كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ على حد قول القائل: [البسيط] ل
ها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشّراب وتلهيها عن الزّاد
لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا شكت من كلال السّير واعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
أما حب الصّحابة العميق للَّه تعالى فلا يحتاج إلى شرح وبيان، ولا إلى إقامة دليل عليه وبرهان فهم كما
قال فيهم النّبيّ ﷺ خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم [ (2) ] ،
وهم الّذين بذلوا نفوسهم ونفائسهم رخيصة في سبيل رضاه، وهم الّذين باعوا الدّنيا بما فيها يبتغون فضلا من اللَّه، وهم الّذين حملوا هداية الإسلام إلى الشّرق والغرب، وأتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر والبدو، وكانوا أحرياء بمدح اللَّه لهم غير مرّة في القرآن وبثناء الرسول ﷺ عليهم في أحاديث عظيمة الشّأن.
وأمّا مظاهر حبهم للرسول ﷺ فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحبّ أحدا مثل ما كان أصحاب محمّد يحبون محمّدا، دم الرّجل منهم رخيص في سبيل أن يفدي رسول اللَّه ﷺ من شوكة يشاكها في أسفل قدمه، وماء وضوئه يبتدرونه في اليوم الشّديد البرد
يتبركون به، وأب الواحد منهم وأبناؤه من ألدّ أعدائه ما داموا يعادون محمّدا وحديث محمّد موضع التّنافس من رجالهم ونسائهم، حتى إذا أعيا الواحد منهم طلابه، تناوب هو وزميل له الاختلاف إلى رسول اللَّه ﷺ على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه، ويقوم الآخر برواية ما سمعه وعرفه من الرّسول بعد إيابه.
وهذه وافدة النّساء تقول لرسول اللَّه ﷺ يا رسول اللَّه، غلبنا عليك الرّجال، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا ممّا علّمك اللَّه، إلى غير ذلك من شواهد ومظاهر، تدلّ على مبلغ هذا الحبّ السّامي الشّريف.
ويرحم اللَّه القائل: [الوافر]
أسرت قريش مسلما في غزوة ... فمضى بلا وجل إلى السّيّاف
سألوه: هل يرضيك أنّك سالم ... ولك النّبيّ فدى من الإتلاف
فأجاب كلّا لا سلمت من الرّدى ... ويصاب أنف محمّد برعاف
ولقد كان من مظاهر هذا الحبّ تسابقهم إلى كتاب اللَّه يأخذون عنه، ويحفظونه منه، ثم إلى سنّته الغرّاء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها، بل كانوا يتفنّنون في البحث عن هديه وخيره، والوقوف على صفته وشكله، كما تجد ذلك واضحا من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول اللَّه ﷺ وما أجيبا به من تجلية تلك الصّور المحمّدية الرائعة، ورسمها بريشة المصور الماهر والصّناع القادر، على يد أبيهما عليّ بن أبي طالب، وخالهما هند بن أبي هالة رضي اللَّه عنهم أجمعين.
العامل الخامس:
بلاغة القرآن الكريم إلى حدّ فاق كلّ بيان، وأخرس كلّ لسان وأسكت كل معارض ومكابر، وهدم كلّ مجادل ومهاتر، حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من اللَّه لحبيبه، وآية من الحقّ لتأييد رسوله، وبعد كلام اللَّه في إعجازه وبلاغته كلام محمد ﷺ في إشراقه وديباجته وبراعته وجزالة ألفاظه وسموّ معانيه وهدايته، فقد كان ﷺ أفصح النّاس وأبلغ النّاس، وكان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ، متنافسين في حفظ أجود المنظوم والمنثور، فمن هنا هبّوا هبّة واحدة يحفظون القرآن ويفهمون القرآن، وكذلك السّنّة النّبويّة كانت عنايتهم بحفظها والعمل بها تلي عنايتهم بالقرآن الكريم يتناقلونها ويتبادرونها كما سمعت.
والكلام في أسرار بلاغة القرآن ووجوه إعجازه، وفي بلاغة كلام النّبوّة وامتيازه وفي
تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح ولا تبيان، فهذا كتاب اللَّه ينطق علينا بالحقّ، ويتحدّى بإعجازه كافّة الخلق، وهذا سحر النّبوّة يفيض بالدّراري واللآلئ، ويزخر بالهدايات البالغة والحكم الغوالي، وهذا تاريخ الأدب العربيّ يسجّل لأولئك العرب تفوقهم في صناعة الكلام، وسبقهم في حلبة الفصاحة كافة الأنام، وامتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصا بلاغة القرآن.
العامل السّادس:
التّرغيب في الإقبال على الكتاب والسّنّة علما وعملا، وحفظا وفهما، وتعليما ونشرا، وكذلك التّرهيب من الإعراض عنهما والإهمال لهما.
ففي القرآن الكريم قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [ (3) ] .
فتأمّل كيف قدم تلاوة القرآن على إقام الصّلاة وإيتاء الزكاة؟ ونقرأ قوله جلّ ذكره:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ (4) ] .
فانظر كيف حثّ بهذا الأسلوب البارع على تدبّر القرآن والتذكّر والاتّعاظ به.
ونقرأ قوله عزّ اسمه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ (5) ] .
فتدبّر كيف يكون وعيد من كتم القرآن وهدى القرآن؟
ثم نقرأ في السّنّة النّبوية
قوله ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة وذكرهم اللَّه فيمن عنده»
[ (6) ] .
وفي «الصّحيحين» قوله ﷺ: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» [ (7) ] .
وفي السّنة قوله ﷺ: «عرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أتاها رجل ثمّ نسيها» [ (8) ] .
أليس ذلك وأمثال ذلك وهو كثير يحفز الهمم ويحرّك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه، وهو وعيد شديد؟
أمّا السّنّة النّبوية فقد جاء في شأنها عن اللَّه تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ (9) ] ، وقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ (10) ] ، وقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [ (11) ] ، وقوله:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (12) ] .
وجاء ترغيبا في السّنّة النّبوية من الحديث الشّريف
قوله ﷺ «نضّر اللَّه امرأ سمع منّا حديثا فأدّاه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع» [ (13) ] ،
وهو حديث متواتر.
وقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع: «ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» [ (14) ] .
وجاء ترهيبا من الإعراض عن السّنّة
قوله ﷺ: «من رغب عن سنّتي فليس منّي» [ (15) ] .
وقوله ﷺ: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنّي، وهو متكئ على أريكته فيقول:
بيننا وبينكم كتاب اللَّه تعالى، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرّمناه، وإنّ ما حرّم رسول اللَّه ﷺ كما حرّمه اللَّه»
[ (16) ] .
فأنت ترى في الآيات والأحاديث الشّريفة ما يحفز همّة المؤمن الضّعيف إلى الإقبال على روائع النّبوة يستهديها، وبدائع النّبيّ ﷺ يستظهرها، فكيف أنت والصّحابة الّذين كانوا لا يضارعون طول باع ولا علوّ همّة في هذا الميدان؟
العامل السّابع:
منزلة الكتاب والسّنّة من الدّين، فالكتاب هو أصل التّشريع الأوّل والدّستور الجامع لخير الدّنيا والآخرة، والقانون المنظم لعلاقة الإنسان باللَّه، وعلاقته بالمجتمع الّذي يعيش فيه، ثمّ السّنّة هي الأصل الثّاني للتّشريع، وهي شارحة للقرآن الكريم، مفصّلة لمجمله، مقيّدة لمطلقه، مخصّصة لعامه، مبيّنة لمبهمه، مظهرة لأسراره كما قال سبحانه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ (17) ]
ومن هنا يقول ابن كثير: «السّنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السّنّة» ، يريد بهذه الكلمة ما وضحه السّيوطيّ بقوله: والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السّنّة أنها مبيّنة له ومفصّلة لمجملاته، لأن فيه لو جازته كنوزا يحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه ﷺ وهو معنى كون السّنّة قاضية على الكتاب، وليس القرآن مبيّنا للسّنّة ولا قاضيا عليها، لأنها بيّنة بنفسها، إذ لم تصل إلى حدّ القرآن في الإعجاز والإيجاز، لأنها شرح له، وشأن الشّرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح» .
ولا ريب أنّ الصّحابة كانوا أعرف النّاس بمنزلة الكتاب والسّنّة، فلا غرو أن كانوا أحرص على حذقهما وحفظهما والعمل بهما.
العامل الثّامن:
ارتباط كثير من كلام اللَّه ورسوله بوقائع وحوادث وأسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام، وتنبّه الأذهان، وتلفت الأنظار إلى قضاء اللَّه ورسوله فيها، وحديثهما عنهما وإجابتهما عليها، وبذلك يتمكّن الوحي الإلهي والكلام النّبويّ في النّفوس أفضل تمكن، وينتقش في الأذهان على مرّ الزّمان.
انظر إلى القرآن الكريم تجده يساير الحوادث والطّوارئ في تجددها ووقوعها، فتارة يجيب السّائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ (18) ] .
وتارة يفصّل في مشكلة قامت، ويقضي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، إلى قوله: مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [ (19) ] .
وهي ستّ عشرة آية نزلت في حادث من أروع الحوادث هو اتّهام أمّ المؤمنين سيدتنا الجليلة السيدة أم المؤمنين عائشة زوج رسول اللَّه ﷺ، الصّديقة بنت الصّديق، وفي هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت، ولا تزال تقرأ على النّاس إلى يوم القيامة، ولا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سماوات، وتارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم الّتي وقعوا فيها، ويرشدهم إلى شاكلة الصّواب كقوله في سورة آل عمران. وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلخ الآيات، التي نزلت في
- نسبه ومولده
هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الشافعيّ المصري المولد والمنشأ والدّار والوفاة القاهري.
اختلفت المصادر في اسم جدّه الرابع، فتارة ذكر محمود، وتارة أحمد، والراجح أحمد كما في الترجمة التي كتبها هو لنفسه، كما أن السخاوي أثبت النسب المذكور وقال:
هذا هو المعتمد في نسبه، ثم إن السّخاوي أشار إلى الاختلاف في نسبه فقال «لا أذكر أدناه ... إلا ما قرأته بخط أصحابنا بل وبخط المقريزي، وكان عمدته بعد أحمد أحمديل فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في أجزاء من نسخة من صفة النبي ﷺ كما وجد نسبه بخط قريبة الزّين شعبان بإثبات أحمديل وإسقاط محمود. [ (1) ]
وينسب إليه القول: «إن نسبه يقرأ طردا وعكسا ولا يتهيأ إلا بتأخير محمود عن أحمد وبإسقاطه»
.
فإن كان قال ذلك فهو على سبيل التندر لما هو معلوم بأن مفهوم النسب لا يعني سبعة أسماء أو ثمانية لكي يقال: إنه يقرأ طردا وعكسا.
وفي «الدرر الكامنة» ذكر عم والده، فقال: عثمان بن محمّد بن عليّ بن أحمد بن محمود، وكذلك في كتابه «رفع الإصر» وفي أول كتابه «إنباء الغمر» بزيادة أحمد بعد محمود بحيث صار محمود بين أحمدين، لكنه خالف ذلك في كتابه «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» وكذلك في ترجمة والده في القسم الثاني من معجم شيوخه، فإنه قال: عليّ بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني.
كما ورد اسم أبيه عبد اللَّه في موضع واحد وهذا وهم وأوضح البقاعي وابن خليل أن الحافظ بن حجر ذكر طرفا من نسبه في استدعاء فقال: [الكامل]
من أحمد بن عليّ بن محمّد ... بن محمّد بن علي الكنانيّ المحتد
ولجدّ جدّ أبيه أحمد لقّبوا ... حجرا وقيل بل اسم والد أحمد
وبمصر مولده وأصل جدوده ... من عسقلان المقدسيّة قد بدي
وكان يلقب «شهاب الدين» ويكنى «أبا الفضل» وكناه شيخه العراقي والعلاء بن المحلّى «أبا العباس» كما كني أبا جعفر، غير أن كنيته الأولى «أبو الفضل» - وهي التي كناه بها والده- هي التي ثبتت وصار معروفا بها.
نسبتاه:
1- الكناني- نقل السخاوي عن خط ابن حجر أنه كناني الأصل، نسبة إلى قبيلة «كنانة» .
وقال الحافظ ابن حجر عن والده: «رأيت بخطه أنه كناني النسب وكان أصلهم من عسقلان» .
2- العسقلاني: نسبة إلى «عسقلان» وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، والظاهر أن القبيلة التي ينتمي إليها الحافظ ابن حجر كانت قد استقرت في عسقلان، وما جاورها إلى أن نقلهم «صلاح الدين الأيّوبي» عند ما خربها ما بين (580- 583 هـ) على أثر الحروب الصّليبية.
وقال ابن حجر: [الكامل]
وبمصر مولده وأصل جدوده ... من عسقلان المقدسيّة قد بدي
اشتهاره بابن حجر:
لقد اشتهر ب «ابن حجر» واختلفت المصادر في اعتباره اسما أو لقبا، وإذا كان لقبا هل هو لقب أحد أجداده فطغى على العائلة كلها؟ أم أنه لقب لحرفة أو مهنة أو صناعة؟.
قال السخاوي: هو لقب لبعض آبائه، وفي موضع آخر قال: قيل: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه. إن هذا الرأي يستند إلى الاستدعاء الّذي كتبه الحافظ ابن حجر بهيئة شعر السابق، وعلى الرغم من الغموض الّذي يكتنقه فهو الراجح.
وذهب بعضهم إلى القول بأنه نسبة إلى آل حجر وهم قوم يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس وفي شرح ابن سلطان القاري على «توضيح النّخبة» أن ابن حجر هو لقب وإن كان بصيغة الكنية [ (2) ] .
مولده:
كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطئ النيل بمصر القديمة وقال:
شعبان عام ثلاثة من بعد سبع ... مائة وسبعين اتفاق المولد
وكان المنزل الّذي ولد فيه يقع بالقرب من دار النحاس ولبث فيه إلى أن تزوج بأم أولاده، فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته «المنكوتمرية» داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين واستمر بها حتى مات.
وبينا نجده لا يشير إلى تاريخ يوم ولادته، نلاحظ اختلافا بين مترجميه في تحديدهم لتاريخ ذلك اليوم فذكره البقاعي والسيوطي في الثاني عشر من شعبان، وذكر ابن فهد وابن طولون: في الثالث عشر من شعبان كما ذكره ابن تغري بردي والسخاوي في الثاني والعشرين من شعبان على أن الشوكاني اعتبر مولده في الثاني من شعبان وهذا بعيد الاحتمال بسبب كونه متأخرا أخذ عن الّذين سبقوه وفي هذه الحالة لا يؤمن التحريف.
ويظهر مما فات أن يوم مولد ابن حجر ينحصر ما بين الثاني عشر والثاني والعشرين من شعبان سنة 773 هـ أي بين الثامن عشر من شباط والثامن والعشرين منه من سنة 1372 م.
نشأته وأسرته
نشأ الحافظ ابن حجر يتيما- كما عبر هو عن نفسه- إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل.
وقال: «تركني ولم أكمل أربع سنين وأنا الآن أعقله كالذي يتخيل الشيء ولا يتحققه، وأحفظ عنه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل» ولم يكن من يكفله، وكان والده قد أوصى قبل وفاته بولده اثنين من الّذين كانت بينه وبينهم مودّة ويبدو أن عليّا كان حفيّا بولده أحمد، فهو الّذي كناه واصطحبه عند ما حجّ وزار بيت المقدس وجاور، ويظن الحافظ ابن حجر أن أباه أحضره في مجاورته مجالس الحديث وسمع شيئا ما، غير أن المنية اخترمته ولم يسعد بولده الّذي صار له فيما بعد شأن عظيم.
وأصبح اليتيم في وصاية زكي الدين أبي بكر بن نور الدين علي الخروبيّ، وكان تاجرا كبيرا بمصر، وورث مالا كثيرا وأصبح رئيسا للتجار، كما أوصى به والده العلامة شمس
الدين بن القطان الّذي كان له بوالده اختصاص لكنه لم ينصح له في تحفيظه الكتب وإرشاده إلى المشايخ والاشتغال حتى أنه كان يرسل بعض أولاده إلى كبار الشيوخ.. ولا يعلمه بشيء من ذلك.
وقال عنه ابن حجر: وكان له اختصاص بأبي فأسند إليه وصيته فلم يحمد تصرفه.
وتشير المصادر إلى أن نشأة الحافظ ابن حجر كانت برغم ذلك- في غاية العفّة والصيانة والرئاسة، وأن الخرّوبي المذكور لم يأل جهدا في رعايته والعناية بتعليمه، فكان يستصحبه معه عند مجاورته في مكّة، وظل يرعاه إلى أن مات سنة 787 هـ وكان الحافظ ابن حجر قد راهق ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلّة.
ولم يدخل الكتّاب حتى أكمل خمس سنين فأكمل حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين، ومن الذين قرأ عليهم في المكتب شمس الدين بن العلاف الّذي ولى حسبة مصر وقتا وغيره.
وأكمل حفظه للقرآن على صدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرزاق السفطي، وكان الاتجاه الثقافي السائد آنذاك يقتضي من الّذي يستظهر القرآن أن يصلّي بالناس إماما في صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان، غير أن هذه الفرصة لم تتهيأ لابن حجر الصّبي النّابه الّذي حفظ القرآن ولم يزل في التاسعة من عمره، وهذه في الحقيقة مسألة شرعية حيث لا تجزئ صلاة المؤتمين إن لم يكن إمامهم بالغا، ومع الاختلاف النسبي في تحديد سنّ البلوغ، فإن السنة الثانية عشرة من عمر الصبي كانت تتيح له على ما يظهر أن يصلي إماما بالمسلمين إن هو حفظ القرآن الكريم، فكان عليه أن يتنظر بلوغ هذه السنّ.
وفي أوّل سنة 783 اشتغل بالإعادة، وفي سنة 785 أكمل الحافظ ابن حجر اثنتي عشرة سنة من عمره، ومن حسن حظه أن يكون متواجدا حينئذ مع وصيه الزكي الخرّوبي في مكّة في تلك السنة فصلّى التراويح هناك.
ويمكن تصور بوادر نبوغه وشجاعته، فبقدر ما كانت مفخرة له كصبي يتقدّم إماما بالمسلمين في بيت اللَّه الحرام فإنّها كانت لحظة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وحسن أداء، فكانت الخيرة له في ذلك كما قال، وكان الحج يومئذ يوم الجمعة فحج وجاور في الحرم الشّريف ثم صلّى بعد ذلك بالقدس.
ويظهر من استقراء تراجم الّذين عاشوا في عصر الحافظ ابن حجر أن تقليدا ثقافيا كان يسود بين أوساط التلاميذ الذين يدخلون الكتّاب وذلك بإلزام التلاميذ بالتدرج في حفظ بعض مختصرات العلوم والكتب وسماع بعضها الآخر، وهي التي اتفق العلماء آنذاك اعتبارها
أساسا في بناء ثقافة طلاب العلم، وكان حفظها أو سماعها يتم بإشراف أساتذة كفاة بارزين في حقول اختصاصهم أو ما يقرب منها.
وإذا كانت ثقافة الحافظ ابن حجر تقليدية في أسلوبها فهي ليست كذلك في مكوّناتها، نظرا لقائمة الكتب المهمة التي كوّنت ثقافته بادئ ذي بدء.
وبعد أن حفظ القرآن الكريم ظهرت مخايل الذكاء الفطري جليّة عليه ما لبث أن استكملها بالتتبع والتحصيل حتى صار حافظ عصره وشيخ الإسلام.
وحفظ بعد رجوعه مع الخرّوبي إلى مصر سنة 786 «عمدة الأحكام» للمقدسي، و «الحاوي الصّغير» للقزويني و «مختصر ابن الحاجب» الأصلي في الأصول، و «ملحة الإعراب» للهروي، و «منهج الأصول» للبيضاوي وألفيّة العراقي وألفيّة ابن مالك، والتنبيه في فروع الشافعيّة للشيرازي وتميز بين أقرانه بسرعة الحفظ فأشار مترجموه إلى أنه حفظ سورة مريم في يوم واحد، وكان يحفظ الصحيفة من الحاوي الصغير في ثلاث مرات يصححها ويقرؤها على نفسه ثم يقرؤها أخرى ثم يعرضها حفظا، وكانت له طريقته الخاصة في الحفظ، حدث عنها تلامذته فهو لم يكن يحفظ بالدرس، وإنما بالتأمّل، وصرف همته نحو ما يروم حفظه، وقد وصف السّخاوي هذه الطريقة بأنها طريقة الأذكياء.
وسمع صحيح البخاري سنة 785 على مسند الحجاز عفيف الدين عبد اللَّه النشاوري، وكأنه نسي تفاصيل سماعه منه، لكنه كان يتذكر أنه لم يسمع جميع الصحيح، وإنّما له فيه إجازة شاملة وقد بين ذلك ابن حجر بقوله: «والاعتماد في ذلك على الشيخ نجم الدين المرجاني فإنه أعلمني بعد دهر طويل بصورة الحال فاعتمدت عليه وثوقا به» .
وقرأ بحثا في عمدة الأحكام على الحافظ الجمال بين ظهيرة عالم الحجاز سنة 785 هـ، وكان عمره اثنتي عشرة سنة.
واجتهد في طلب العلم فاهتم بالأدب والتاريخ وهو ما يزال في المكتب فنظر في التواريخ وأيام الناس، واستقر في ذهنه شيء من أحوال الرواة، وكان ذلك بتوجيه رجل من أهل الخير سماه ابن حجر للسخاوي إلا أن السخاوي نسيه.
وسمع في فتوته من المسند نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن رزين بن غالب صحيح البخاري بقراءة الجمال بن ظهيرة سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر، وفاته شيء يسير، كما سمع الصحيح أيضا من أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغزي وغيرهما.
وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مبلغا جعله يستأجر أحيانا بعض الكتب، ويطلب إعارتها له، ويبرز في هذا المجال من بين شيوخه بدر الدين البشتكي الشّاعر المشهور الّذي أعاره جملة من الكتب منها كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وغيره.
ويبدو من خلال الاستقراء أن فتورا حصل في نشاطه الثقافي استمر إلى أول سنة تسعين وسبعمائة، اشتغل في هذه المدة بالتجارة فنشأ في وسط نجاري لأن جده وأعمامه كانوا تجارا، وكان وصيه الخرّوبي رئيسا للتجار في مصر.
ولعل لموت الخرّوبي سنة 787 هـ أثرا في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى ذلك، كما ترتب عليه أن يكفل نفسه وينهض بأعباء الحياة، وقد يتضح ذلك من قول السخاوي، ولو وجد من يعتني به في صغره لأدرك خلقا ممن أخذ عن أصحابهم» .
في سنة 790 هـ أكمل السّابعة عشرة من عمره، وحفظ فيها القرآن الكريم وكتبا من مختصرات العلوم، وقرأ القراءات تجويدا على الشهاب أحمد الخيوطي، وسمع صحيح البخاري على بعض المشايخ كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ.
وقد لازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن القطان المصري، وحضر دروسه في الفقه والعربيّة والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئا من الحاوي الصغير فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف على شيوخ الدراية.
ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعرا إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وطارح الأدباء.
وقال الشعر الرّائق والنثر الفائق، ونظم المدائح النبويّة والمقاطيع.
وتمثل سنة 793 منعطفا ثقافيا في حياة ابن حجر، فمن هذه الثقافة العامة الواسعة، واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب اللَّه إليه علم الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته.
وأوضحت المصادر أن بداية طلبه الحديث كان في سنة 793 هـ وغير أنه لم يكثر إلا في سنة 796 هـ وكتب بخطه: «.... رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السّبيل» فكان أن تتلمذ على خيرة علماء عصره.
وكان شيخه في الحديث زين الدين العراقي الّذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندا ومتنا وعللا واصطلاحا، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون
الحديث وانتهى منهما في رمضان سنة 798 هـ بمنزل شيخه المذكور بجزيرة الفيل على شاطئ النيل، كما قرأ عليه نكتة على ابن الصلاح في مجالس آخرها سنة 799 هـ، وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من أماليه واستملى عليه بعضها وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام 797 هـ.
وقرأ على مسندي القاهرة ومصر الكثير في مدة قصيرة فوقع له سماع متصل عال لبعض الأحاديث.
أسرته:
كانت أسرة الحافظ ابن حجر تجمع بين الاشتغال بالتجارة والاهتمام بالعلم، فكان عم والده فخر الدين عثمان بن محمد بن علي الّذي عرف بابن البزاز وب (ابن حجر) قد سكن ثغر الإسكندرية وانتهت إليه رئاسة الإفتاء هناك على مذهب الإمام الشّافعيّ وتفقه به جماعة منهم الدّمنهوري، وابن الكويك، وكان له ولدان هما ناصر الدين أحمد، وزين الدين محمد، وكانا من الفقهاء.
أما جده قطب الدين محمد بن محمد بن علي فلقد كان بارعا رئيسا تاجرا، حصل على إجازات من العلماء، وأنجب أولادا منهم كمال الدين، ومجد الدين، وتقيّ الدين وأصغرهم وليّ الدين ثم نور الدين علي، وهو والد ابن حجر، الّذي انصرف من بينهم لطلب العلم أما إخوته فكانوا تجّارا.
ويبدو من خلال سيرة نور الدين علي أنه مع اشتغاله بالتجارة عكف على الدرس وتحصيل العلوم فتفقه على مذهب الإمام الشافعيّ وحفظ الحاوي الصغير، وأخذ الفقه عن محمد بن عقيل وأجازه، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وطبقته وله استدراك على الأذكار للنووي فيه مباحث حسنة، وعدّة دواوين شعر منها ديوان الحرم فيها مدائح نبوية، وكان معنيّا بالنّظم ذا حظّ جيّد في الأدب.
وقال ابن حجر عن أبيه: «لم يكن له بالحديث إلمام ونظمه كثير سائر» ، ووصفته المصادر بالعقل والدّيانة والأمانة ومكارم الأخلاق، وصحبة الصّالحين، ونوّهت بثناء ابن القطان وابن عقيل والوليّ العراقي عليه، وناب في القضاء، وأكثر من الحج والمجاورة، وصنف، وأجيز بالإفتاء والتدريس والقراءات السبع وتطارح مع ابن نباتة المصري والقيراطي، وتبادل معهما المدائح.
كان مولده في حدود سنة 820 هـ ووفاته في رجب سنة 777 هـ.
أما والدته فهي تجار ابنة الفخر أبي بكر بن شمس محمد بن إبراهيم الزفتاوي، أخت صلاح الدّين أحمد الزفتاوي الكارمي صاحب القاعة الكائنة بمصر تجاه المقياس.
وكانت له أخت، ترجم لها في «إنباء الغمر» و «المجمع المؤسس» وهي ست الركب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذّكاء، أثنى عليها وقال: «كانت أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنة» أي سنة 798 هـ.
وذكر السّخاوي تحصيلها الثقافي وإجازاتها، وزواجها، وأولادها كما ذكر الحافظ ابن حجر شيوخها وإجازاتها من مكة ودمشق وبعلبكّ ومصر وقال: «وتعلّمت الخط وحفظت الكثير من القرآن، وأكثرت من مطالعة الكتب فمهرت في ذلك جدّا.. وكانت بي برة رفيقة محسنة، وقد رثاها أخوها الحافظ ابن حجر في قصيدة، وكان له أخ من أمّه اسمه عبد الرحمن بن الشهاب أحمد بن محمد البكري، ترجم له في إنبائه وقال: إنه مهر وحصّل مالا أصله من قبل أمه- وهي والدتي- فقدر اللَّه موته فورثه أبوه» .
تزوّج الحافظ ابن حجر عند ما بلغ عمره خمسا وعشرين سنة، وذلك في سنة 798 من أنس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن عبد العزيز ناظر الجيش، وتنتمي أنس إلى أسرة معروفة بالرئاسة والحشمة والعلم.
وكان ابن حجر حريصا على نشر الثقافة والعلم بين أهل بيته وأقاربه كحرصه على نشر العلم بين الناس، وسيتضح ذلك في دراسة جهوده في التدريس وعقده لمجالس الإملاء.
فأسمع زوجته من شيخه حافظ العصر عبد الرحيم العراقي الحديث المسلسل بالأوّلية، وكذا أسمعها إياه من لفظ العلامة الشرف ابن الكويك، وأجاز لها باستدعاء عدد من الحفاظ فيهم أبو الخير بن الحافظ العلائي، وأبو هريرة عبد الرّحمن بن الحافظ الذهبي، ولم تكن الاستدعاءات بالإجازة لها لتقتصر على المصريين فقط بل من الشاميين والمكيين واليمنيين، وكان الحافظ ابن حجر في حالة الاستدعاء لها يدون أسماء من ولدن من بناتها اللاتي ولدن تباعا.
وحجت صحبة زوجها في سنة 815 هـ كما حجت وجاورت بعد ذلك وحدثت بحضور زوجها، وقرأ عليها الفضلاء، وكانت تحتفل بذلك وتكرم الحاضرين، وقد خرج لها السخاوي أربعين حديثا عن أربعين شيخا، وقرأها عليها بحضور زوجها، وكان الحافظ ابن حجر قد أسلف لها بالإعلام بذلك على سبيل المداعبة بقوله: قد صرت شيخة إلى غير ذلك، وكانت كثيرة الإمداد للعلامة إبراهيم بن خضر بن أحمد العثماني العلامة المتفنن الّذي
كان يقرأ لها صحيح البخاري في رجب وشعبان من كل سنة، وتحتفل يوم الختم بأنواع من الحلوى والفاكهة، ويهرع الكبار والصغار لحضور ذلك اليوم قبيل رمضان بين يدي زوجها الحافظ، ولما مات الحافظ ابن خضر قرأ لها سبطها يوسف بن شاهين، ولم تضبط لها هفوة ولا زلّة ... وكان زوجها يكن لها الاحترام الكبير كما كانت هي عظيمة الرعاية له. فولدت له عدة بنات: زين خاتون وفرحة، وعالية، ورابعة، وفاطمة، ولم تأت منه بذكر، وكانت كلّما حملت ذكرا ولد قبل أوانه ميتا.
وتمر السنوات ثقيلة متباطئة، وتتدافع في نفسه أمور متنافرة يحترم أم أولاده ويرعاها، غير أنه شاء اللَّه لها أن لا تلد إلا إناثا، أما الذكور فيموتون، بيد أنه أحب أن يكون له ولد، فاختار التسري، وكانت لزوجته جارية يقال إن اسمها خاص نزل، فأظهر غيظا بسبب تقصيرها، وأقسم بأن لا تقيم بمنزله فبادرت أنس لبيعها، فأرسل شمس الدين بن الضياء الحنبلي فاشتراها له بطريق الوكالة وتزوّجها في مكان بعيد عن منزله، فحملت بولده الوحيد بدر الدين بن المعالي محمد المولود في الثامن عشر من صفر سنة 815 هـ وكانت العقيقة في منزل أنس، ولم تشعر بذلك إلى قبل انفصال الولد عن الرضاع، فلما علمت أنس ذهبت هي وأمها إلى مكان وجود الولد وأمه وأحضرتها معها إلى منزلها وأخفت أمرهما.
ولما حضر الحافظ ابن حجر استجوبته زوجته أنس فما اعترف ولا أنكر بل ورى بما يفهم منه الإنكار، ثم قامت فأخرجت الولد وأمّه فأسقط في يده.
وعاتبته عتابا مرّا، فاعتذر بميله للأولاد الذكور، ودعت عليه أن لا يرزق ولدا عالما، فتألّم لذلك وخشي من دعائها، وقال لها: أحرقت قلبي أو شيئا من هذا القبيل، لأنها كانت مجابة الدّعاء.
وبعد وفاة الحافظ ابن حجر أرسل لها علم الدين البلقيني على يد ولده أبي البقاء يطلب الزواج منها، وقيل: إنها لم تكن تأبى ذلك لكن عصم اللَّه- كما قال السخاوي: ببركة شيخنا- فلم تتزوّجه.
كما تزوّج الحافظ ابن حجر أرملة الزين أبي بكر الأمشاطي بعد وفاته، وذلك عند مجاورة أم أولاده سنة 834 هـ ورزق منها في رجب سنة 835 ابنة سماها آمنة، لم تعش طويلا حيث ماتت في شوّال 836 هـ، وبموتها طلقت أمها لأنه علّق طلاقها عند سفره إلى آمد على موتها.
كما تزوج الحافظ ابن حجر من ليلى ابنة محمود بن طوغان الحلبية عند ما سافر مع
الأشرف سنة 836 هـ. إلى آمد، وكان زواجه منها في حلب، واستمرت معه إلى أن سافر من حلب ففارقها دون أن يعلمها بالطلاق، لكن أسرّه إلى بعض خواصه، والتمس منه ألا يعلمها بذلك، وكان يريد أن يختبر ولاءها، ولأنها قد لا تطيق أن تترك حلب وتسافر معه إلى مصر، ثم راسل بعض أصدقائه الحلبيين في تجهيزها إن اختارت ويعلمها بأن الّذي يحمله على الطلاق هو الرفق بها لئلا تختار الإقامة بحلب أو يحصل لها نصيبها فلا تتضرّر، وجاء في الكتاب الّذي قرأه السخاوي بخطه وصفه لها بأنها نعم المرأة عقلا وحسن خلق وخلق ويعدها بكل جميل وأنها إن قدمت ينزلها أحسن المنازل.. فامتثلت إشارته وتجهزت حتى قدمت عليه إلى مصر.. واستمرت معه حتى مات، وكان قد أسكنها في بيت خاص..
ويأتي إليها في يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، ولم يرزق منها أولادا، وكان شديد الميل إليها حتى قال فيها شعرا.
أما أولاده فهم خمس بنات وولد واحد، وهم: زين خاتون وفرحة، وعالية، ورابعة، وفاطمة، وبدر الدين محمد.
فكانت «زين خاتون» هي البكر، ومولدها في ربيع الآخر سنة 802، فاعتنى بها واستجاز لها في سنة ولادتها وما بعدها خلقا وأسمعها على شيوخه كالعراقي والهيثمي وأحضرها على ابن خطيب داريا، ثم تزوّجها الأمير شاهي العلائي الكركي الّذي صار داودارا عند المؤيد مدة، فولدت له عدة أولاد ماتوا كلهم في حياة أمهم، ولم يتأخّر من أولادها إلّا أبو المحاسن يوسف بن شاهين المعروف بسبط ابن حجر، وكانت قد تعلمت القراءة والكتابة وماتت- وهي حامل- بالطّاعون سنة 833 هـ.
وأما «فرحة» فكان مولدها في رجب سنة 804، واستجيز لها مع أمها، وتزوّجها شيخ الشيوخ محب الدين بن الأشقر الّذي ولي نظر الجيش وكتابة السّر، وكان أحد الأعيان في الديار المصرية فولدت له ولدا مات صغيرا في حياة أمه التي كانت وفاتها سنة 828 هـ بعد أن رجعت من الحج مع زوجها موعوكة.
وأما «عالية» فكان مولدها سنة 807 هـ واستجيز لها جماعة وماتت هي وأختها فاطمة في الطّاعون سنة 819 مع من مات من أفراد أسرة أبويهما.
وأما «رابعة» فكان مولدها سنة 811 وأسمعها والدها على المراغي بمكّة سنة 815 هـ وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين وتزوجها الشّهاب أحمد بن محمد بن مكنون، واستولدها بنتا سماها «عالية» ماتت في حياتيهما، ومات عنها زوجها سنة 830 هـ فتزوّجها المحب بن الأشقر حتى ماتت عنه في سنة 832 هـ، وعمل صداقها في أرجوزة.
أما ولده الوحيد بدر الدين أبو المعالي محمد فكان والده حريصا على تعليمه وتهذيبه، فحفظ القرآن وصلّى بالنّاس كما كانت العادة جارية في سنة 826، وأسمعه الحديث على الواسطي وجماعة وأجاز له باستدعاء والده منذ مولده سنة 815 هـ فما بعد عدد من كبار المسندين ذكرهم والده في معجم شيوخه.
وبلغ من حرصه واهتمامه به بعد أن صنف كتابه:
«بلوغ المرام من أدلة الأحكام» لأجله، لكنه لم يحفظ إلا اليسير منه وكتب عن والده كثيرا من مجالس الإملاء وسمع عليه شيئا كثيرا واشتغل بأمر القضاء والأوقاف مساعدا لوالده، حتى صارت له خيره بالمباشرة والحساب.. واشتدت محبة والده له.
وولي في حياة أبيه عدة وظائف أجلها مشيخة البيبرسية وتدريس الحديث بالحسنية ناب عنه فيهما والده، والإمامة بجامع طولون وغير ذلك.
وقد وصفه ابن تغري بردي بالجهل، وسوء السيرة، ولم يرض ذلك السخاوي فرد عليه مفيدا بأنه كان حسن الشكالة متكرّما على عياله قل أن يكون في معناه، لكن السخاوي أشار في موضوع آخر إلى محنة الحافظ ابن حجر بسبب ولده وما نسب إليه من التصرف في أموال الجامع الطولوني بالاشتراك مع آخرين، واحتجز رهن التحقيق، وكان والده في ضيق صدر زائد وألم شديد بسببه وتأوّه كثيرا وكل يوم يسمع من الأخبار ما لم يسمعه بالأمس، وكان يتوجه إليه في يوم الجمعة يوما أو أكثر إلى المكان الّذي يكون فيه فيرجع.. وهو مسرور لما يرى من ثبات ولده وقوة قلبه وشجاعته وانتظام كلامه ومهارته، إلى أن تبين أن ما أشيع عنه مجرد اتهام، ولذلك عمل الحافظ ابن حجر جزءا سماه «ردع المجرم عن سب المسلم» ويبدو أن القاضي ولي الدين السفطي كان له دور مهم في محنة الحافظ ابن حجر بسبب ما كان بينهما من المنافسة على القضاء فكانت هذه الحادثة سببا في زهد الحافظ ابن حجر في القضاء [ (3) ] .
ابن حجر المحدّث وخطيب الأزهر
تولى ابن حجر الخطابة في عدة مساجد من أكبر المساجد بالقاهرة مثل الجامع الأزهر وجامع عمرو وغيرهما من المساجد الكبرى بالقاهرة فقد كان متبحرا في العديد من العلوم، وكان يفد إليه طلاب العلم وأهل الفضل من سائر الأنحاء، وكان يتسم بالحلم والتواضع والصبر كثير الصيام والقيام.
وكان مرجعا في الحديث النبوي، حتى لقب بلقب «أمير المؤمنين» في الحديث وهذا اللقب لا يظفر به إلا أكبر المحدثين الأفذاذ وقد حبب إلى ابن حجر الحديث وأقبل عليه بكليته وطلبه من سنة ثلاث وتسعين ولكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين فعكف على الزين العراقي وتخرج به وانتفع بملازمته، وتحول إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية وأخذ عن الشيوخ والأقران وأذن له جل هؤلاء في الإفتاء والتدريس.
وتصدر لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفا وإفتاء وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه- على مائة وخمسين تصنيفا وقد عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن وقد سبق أنه ولي تدريس الفقه بالمدرسة الشيخونية وتدريس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة ثم تدريس الشافعية بالمؤيدة الجديدة ومشيخة البيبرسية في دولة المؤيد وتدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعيّ، كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر وبين التدريس والإفتاء ولي منصب القضاء، وكانت أول ولايته القضاء في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد أن امتنع أولا لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصنيف شيئا غير أن ابن حجر كما يقول السخاوي قد ندم على قبوله وظيفة القضاء ويقول ابن حجر إن من آفة التلبس بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائي وأنه بلغه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع، وعزل عن القضاء وأعيد إليه مرات وكان أخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
شيوخه:
بلغ عدد شيوخه بالسّماع وبالإجازة وبالإفادة على ما بين بخطه نحو أربعمائة وخمسين نفسا، وإذا استثنينا الشيوخ الذين أجازوا عموما فقد ترجم في «المجمع المؤسس» لأكثر من ستمائة شيخ، وذكر بعضهم أن عدد شيوخه بلغ ستمائة نفس سوى من سمع منه من الأقران.
واجتمع له من الشّيوخ الذين يشار إليهم ويعول في حل المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره، لأن كل واحد منهم كان متبحرا ورأسا في فنه الّذي اشتهر به «فالبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع وابن الملقن في كثرة التصانيف والعراقي في معرفة علوم الحديث ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون، واستحضارها والمجد الشيرازي في حفظ اللغة واطلاعه عليها، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام
كان حسن التصرف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقا في حفظها، والإيناس في حسن تعليمه وجودة تفهيمه، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها، والتنوخي في معرفة القراءات وعلو سنده فيها [ (4) ] .
شيوخ القراءات:
1- إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن التنوخي الشيخ برهان الدين الشّامي (709 هـ- 800 هـ) بلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ بالسماع وبالإجازة يجمعهم معجمه الّذي خرّجه له الحافظ ابن حجر ونزل أهل مصر بموته درجة، قرأ عليه الحافظ ابن حجر من أول القرآن (الفاتحة) إلى قوله (المفلحون) من سورة البقرة جامعا للقراءات السبع ثم قرأ عليه الشاطبية تامة بسماعه لها على القاضي بدر الدين بن جماعة كما قرأ عليه الخلاصة للألفية من العربية نظم ابن عبد اللَّه، فضلا عن قراءته عليه صحيح البخاري، وبعض المسانيد، والكتب والأجزاء، وخرج له المائة العشرية، ثم الأربعين التالية لها، وأذن له بالإقراء سنة 796 هـ.
2- محمد بن محمد بن محمد الدمشقيّ الجزري (751- 833) شيخ القراءات وأجاز له ولولده محمد وحثه على الرّحلة إلى دمشق، حدث بكتابه (الحصن الحصين) في البلاد اليمنية، ومهر الجزري في الفقه إلا أن فنّه القراءات.
شيوخ الحديث:
1- عبد اللَّه بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابورىّ المعروف بالنشاوري (705- 790 هـ) وهو أول شيخ سمع عليه الحديث المسند فيما اتصل بعلمه، سمع عليه صحيح البخاري مع فوت بقراءة شمس الدين السلاوي سنة 785 هـ بالمسجد الحرام بسماعه على الرضي الطبري على أنه شك في إجازته منه، وترك التخريج والرّواية بتلك الإجازة وقال: «وفي المصرح به غني عن المظنون واللَّه المستعان»
.
2- محمد بن عبد اللَّه بن ظهيرة المخزوميّ المكيّ جمال الدين (751- 817 هـ) وهو أول من بحث عليه في فقه الحديث وذلك في مجاورته مع الخرّوبي بمكّة سنة 785 وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حيث قرأ عليه بحثا في عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم كان أول من سمع بقراءته الحديث بمصر سنة 786، وسمع عليه كتبا أخرى.
3- عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي أبو الفضل زين الدين الحافظ الكبير (725- 806 هـ) وأول ما اجتمع به سنة 786 فقرأ عليه ثم فتر عزمه، كما وضح فيما فات، ثم لازمه عشر سنوات وتخرّج به وهو أوّل من أذن له بالتدريس في علوم الحديث في سنة 797 هـ، وحضر مجالس إملائه، وقرأ عليه كتابه «الأربعين العشارية» من جمعه واستملى عليه الحافظ ابن حجر في غياب ولده أبي زرعة، وحمل عنه جملة مستكثرة من أماليه، وأذن له في تدريس ألفيته من الحديث، وشرحها، والنكت على ابن الصلاح، وسائر كتب الحديث وعلومه، ولقبه بالحافظ وعظمه ونوّه بذكره.
وللحافظ ابن حجر مع شيخه مراجعات كثيرة.
4- علي بن أبي بكر بن سليمان أبو الحسن الهيثمي (735- 807) لازم العراقي أشد ملازمة وهو صهره، خرج زوائد مسند البزار ثم مسند أبي يعلى الموصلي، ثم الطبرانيات، وجمع الجميع في كتاب واحد محذوف الأسانيد، ورتب الثقات لابن حبان على حروف المعجم، وحلية الأولياء على الأبواب، اقتصر منها على الأحاديث المسندة، ومات وهو مسودة فكمل ابن حجر ربعه، وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضارا للمتون من شيخه العراقي حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة.
قال ابن حجر: كان يودني كثيرا وبلغه أنني تتبعت أوهامه في مجمع الزوائد فعاتبني فتركت ذلك» قرأ عليه قرينا لشيخه العراقي ومنفردا.
شيوخ الفقه
1- إبراهيم بن موسى بن أيوب برهان الدين الأنباسي الورع الزاهد (725- 802 هـ) سمع من الوادي آشي وأبي الفتح الميدومي ومسند عصره ابن أميلة وطبقتهم، قال عنه ابن حجر: «سمعت منه كثيرا وقرأت عليه الفقه» وقال «اجتمعت به قديما وكان صديق أبي ولازمته بعد التسعين وبحثت عليه في المنهاج وقرأت عليه قطعة كبيرة من أول الجامع للترمذي بسماعه على.. ابن أميلة» وله مصنفات، يألفه الصّالحون ويحبه الأكابر وفضله معروف.
2- عمر بن عليّ بن أحمد بن الملقن (723- 804 هـ) كان أكثر أهل عصره تصنيفا فشرح المنهاج عدة شروح، وخرّج أحاديث الرافعي في ست مجلّدات، وشرح صحيح البخاري في عشرين مجلدة انتقده ابن حجر عليه وعلى أشياء أخرى. قرأ عليه قطعة من شرحه الكبير على المنهاج.
3- عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني نزيل القاهرة أبو حفص، شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام (724- 805 هـ) أقدمه أبوه القاهرة وله اثنتا عشرة سنة فبهرهم بذكائه وكثرة محفوظه وسرعة إدراكه وعرض عليه محافيظه ورجع، غير أنه لم يرزق ملكة في التصنيف، وقد لازمه الحافظ ابن حجر مدة، وقرأ عليه الكثير من الروضة، ومن كلامه على حواشيها، وسمع عليه بقراءة البرماوي مختصر المزني، وكتب له خطه بالإذن بالإعادة وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء، وتبعه غيره.
4- محمد بن علي بن عبد اللَّه القطان الفقيه (737- 813 هـ) مهر في فنون كثيرة، وتفقه عليه الحافظ ابن حجر، وقال عنه:
قرأت عليه وأجاز لي وذكر لي أنه قرأ الأصول على الشيخ نور الدين الإسنائي وكان ماهرا في القراءات والعربية والحساب ولازمه في الفقه، وقرأ عليه قسما كبيرا من الحاوي وغيره.
5- عليّ بن أحمد بن أبي الآدمي الشيخ نور الدين، قال ابن حجر: قرأت عليه في الفقه والعربيّة، وكان على طريقة مثلي من الدين والعبادة والخير والانجماع ولازمه كثيرا.
شيوخ العربيّة:
1- محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري المصري المالكي (720- 802) وكان كثير الاستحضار للشواهد واللغة مع مشاركة في الأصول والفروع، ودرس القراءات في الشيخونية وهو خاتمة من كان يشار إليه في القراءات العربية، سمع عليه الحافظ ابن حجر القصيدة المعروفة بالبردة بسماعه لها على أبي حيان بسماعه من ناظمها، وأجاز له غير مرّة كما أجازه مروياته عن غيره، وكان عارفا بالعربيّة كثير الحفظ للشعر لا سيما الشواهد قوي المشاركة في فنون الأدب.
2- محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الأصل بدر الدين البشتكي الأديب الفاضل المشهور (748- 830 هـ) .
حفظ كتابا في فقه الحنفية ثم تحوّل شافعيّا، ثم نظر في كتب ابن حزم، واشتغل في فنون كثيرة، وعني الأدبيات فمهر فيها، لازمه ابن حجر بضع سنين، وانتفع بفوائده وكتبه وأدبياته وطارحه بأبيات وسمع منه الكثير من نظمه وأجاز له ولأولاده، وسبقت الإشارة إلى أنه كان يعيره بعض الكتب الأدبية، وقرأ عليه مجلسا واحدا من مقدمة لطيفة في علم العروض استفاد منه لمعرفة الفن بكماله، كما قرأ عليه البشتكي بعد ذلك في الحديث فهو شيخه، وتلميذه في آن واحد.
3- محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشّيرازي الشيخ العلّامة مجد الدين أبو الطاهر الفيروزآباذي (729- 817 هـ) نظر في اللغة فكانت جل قصده في التحصيل فمهر فيها إلى أن فاق أقرانه، اجتمع به في زبيد، وفي وادي الخصيب وناوله جل القاموس المحيط وأذن له مع المناولة بروايته عنه وقرأ عليه من حديثه عدة أجزاء، وسمع منه المسلسل بالأولية بسماعه عن السبكي، وكتب له تقريضا على بعض تخريجاته أبلغ فيه شيخه في أغلب العلوم.
هو محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الحموي الأصل ثم المصري الشيخ عز الدين ابن المسند شرف الدين (759- 819) .
أتقن فنون المعقول إلى أن صار هو المشار إليه في الدّيار المصرية في هذا الفن..
ولم يكن يقرأ عليه كتاب من الكتب المشهورة إلا ويكتب عليه نكتا وتعقيبات واعتراضات بحسب ما يفتح له أخذ عنه في شرح منهاج الأصول، وجمع الجوامع، ومختصر ابن الحاجب وفي المطوّل لسعد الدين وأجاز له غير مرة ولأولاده، وقال البقاعي: وأجل من أخذ عنه المعقول والأدبيات علامة الدّنيا الشيخ عز الدين بن جماعة، ولازمه طويلا، وأخذ عنه علما جزيلا.
وقال السخاوي: إن ابن جماعة كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علما لا يعرف علماء عصري أسماءها» .
ولازمه الحافظ ابن حجر في غالب العلوم التي كان يقرؤها من سنة 790 هـ إلى أن مات سنة 819 هـ ولم يخلف بعده مثله كما قال في «إنباء الغمر» .
مصنّفاته:
قال الشّمس السّخاويّ تلميذ الحافظ ابن حجر:
«وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه، والأصلين وغير ذلك على مائة وخمسين تصنيفا رزق فيها من السّعد والقبول خصوصا «فتح الباري بشرح البخاري» الّذي لم يسبق نظيره أمرا عجبا» [ (5) ] .
بلغت مصنفاته أكثر من اثنين وثلاثين ومائة تصنيف، وها هي مرتبة على حروف المعجم.
- الآيات النّيرات للخوارق المعجزات.
- اتباع الأثر في رحلة ابن حجر.
- إتحاف المهرة بأطراف العشرة.
- الإتقان في فضائل القرآن.
- الأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة.
- الإحكام لبيان ما في القرآن من إبهام.
- أربعون حديثا متباينة الأسانيد بشرط السّماع.
- أسباب النزول.
- الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة.
- الاستبصار على الطّاعن المعثار.
- الاستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء.
- الاستدراك على الكاف الشّاف.
- الإصابة في تمييز الصّحابة.
- أطراف المختارة.
- أطراف الصّحيحين.
- أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي.
- الإعجاب ببيان الأسباب.
- الإعلام بمن ذكر في البخاري من الأعلام.
- الإعلام بمن ولي مصر في الإسلام.
- الإفصاح بتكميل النّكت على ابن الصلاح.
21 الأفنان في رواية القرآن.
22 إقامة الدّلائل على معرفة الأوائل.
23 الألقاب.
24 أمالي ابن حجر.
25 الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع.
26 الإنارة في الزّيارة.
27 إنباء الغمر بأنباء العمر.
28 الانتفاع بترتيب الدار الدّارقطنيّ.
29 انتقاض الاعتراض.
30 الأنوار بخصائص المختار.
31 الإيناس بمناقب العبّاس.
32 البداية والنهاية.
33 بذل الماعون بفضل الطّاعون.
34 البسط المبثوث في خبر البرغوث.
35 بلوغ المرام بأدلّة الأحكام.
36 بيان الفصل بما رجح فيه الإرسال على الوصل.
37 تبصير المنتبه بتحرير المشتبه.
38 تبيين العجب بما ورد في فضل رجب.
39 تجريد التّفسير.
40 تحرير الميزان.
41 تحفة أهل التّحديث عن شيوخ الحديث.
42 تحفة الظّراف بأوهام الأطراف.
43 تخريج أحاديث الأذكار للنّووي.
44 تخريج أحاديث الأربعين للنّووي.
45 تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب.
46 تخريج الأربعين النّووية بالأسانيد العليّة.
47 التّعريج على التّدريج.
48 ترجمة النّووي.
49 تسديد القوس في مختصر مسند الفردوس.
50 التّشويق إلى وصل المهم من التّعليق.
51 تصحيح الرّوضة.
52 تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة.
53 التّعريف الأوحد بأوهام من جمع رجال المسند.
54 تعريف أولي التّقدير بمراتب الموصوفين بالتّدليس.
55 تعريف الفئة بمن عاش مائة.
56 تعقّبات على الموضوعات.
57 تعليق التّعليق.
58 تقريب التّقريب.
59 تقريب التّهذيب.
60 تقريب المنهج بترتيب المدرج.
61 تقويم السّناد بمدرج الإسناد.
62 التّمييز في تخريج أحاديث الوجيز.
63 تهذيب التّهذيب.
64 تهذيب المدرج.
65 توالي التّأسيس بمعالي ابن إدريس.
66 توضيح المشتبه للأزدي في الأنساب.
67 التّوفيق بتعليق التّعليق.
68 الجواب الجليل عن حكم بلد الخليل.
69 الجواب الشّافي عن السّؤال الخافي.
70 الخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخّرة.
71 الخصال الواردة بحسن الاتّصال.
72 الدّراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية.
73 الدّرر.
74 الدّرر الكامنة في أعيان المائة الثّامنة.
75 ديوان شعر.
76 ديوان منظور الدّرر.
77 ذيل الدّرر الكامنة.
78 ردّ المحرم عن المسلم.
79 الرّسالة العزية في الحساب.
80 رفع الإصر عن قضاة مصر.
81 الزّهر المطلول في بيان الحديث المعلول.
82 الزهر النّضر في أنباء الخضر.
83 السّبعة النّيرات في سبعة أسئلة عن السّيد الشريف في مباحث الموضوع.
84 سلوت ثبت كلوت: التقطها من ثبت أبي الفتح القاهريّ.
85 شرح الأربعين النّوويّة.
86 شرح سنن التّرمذي.
87 شرح مناسك المنهاج.
88 شرح منهاج النّووي.
89 شفاء الغلل في بيان العلل.
90 الشّمس المثيرة في معرفة الكبيرة.
91 طبقات الحفّاظ.
92 عرائس الأساس في مختصر الأساس، للزمخشريّ.
93 عشاريات الأشياخ.
94 عشرة أحاديث عشاريّة الإسناد.
95 عشرة العاشر.
96 فتح الباري بشرح البخاري.
97 فضائل شهر رجب.
98 فهرست مرويّاته.
99 فوائد الاحتفال في بيان أحوال الرّجال، لرجال البخاري.
100 الفوائد الجمّة فيمن يجدد الدّين لهذه الأمّة.
101 قذى العين من نظم غريب البين.
102 القصارى في الحديث.
103 القول المسدّد في الذّبّ عن المسند.
104 الكاف الشّاف في تحرير أحاديث الكشّاف.
105 كشف السّحر عن حكم الصّلاة بعد الوتر.
106 لذّة العيش بجمع طرق حديث «الأئمّة من قريش» .
107 لسان الميزان.
108 المجمع المؤسّس في المعجم المفهرس.
109 مختصر البداية والنّهاية لابن كثير.
110 مختصر تهذيب الكمال.
111 الرحمة الغيثيّة عن التّرجمة اللّيثية.
112 مزيد النّفع بما رجح فيه الوقف على الرفع.
113 المسلسل بالأوليّة بطرق علية.
114 المسند المعتلي بأطراف الحنبلي.
115 المشتبه.
116 المطالب العالية من رواية المسانيد الثّمانية.
117 المطالب العالية في زوائد الثّمانية.
118 المقترب في بيان المضطرب.
119 المقصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل واسمه أحمد.
120 الممتع في منسك المتمتع.
121 المنحة فيما علق به الشّافعي القول على الصحة.
122 منسك الحج.
123 النبأ الأنبه في بناء الكعبة.
124 نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر.
125 نزهة الألباب في الأنساب.
126 نزهة القلوب في معرفة المبدل عن المقلوب.
127 نزهة النّظر بتوضيح نخبة الفكر.
128 النكت الحديثية على كتاب ابن الصّلاح.
129 نهاية التقريب وتكميل التّهذيب بالتذهيب.
130 النيرات السّبعة، ديوان ابن حجر.
131 هداية الرّواة إلى تخريج المصابيح والمشكاة.
132 هدي السّاري لمقدمة فتح الباري.
مرضه ووفاته
بدأ المرض بحافظ الدنيا ابن حجر طيب اللَّه مثواه في ذي الحجة سنة 852 هـ، وفي الحادي عشر منه حضر مجلس الإملاء كما أملى في يوم الثلاثاء الخامس عشر من الشهر المذكور مجلسا وهو متوعّك، ثم تغير مزاجه وأصبح ضعيف الحركة.
وخشي الأطباء أن يناولوه مسهلا لأجل سنه فأشير «بلبن الحليب» ، فتناوله فلانت الطبيعة قليلا وأدى ذلك إلى نشاط ... وصار مسرورا بذلك، ولكنه لم يشف من مرضه تماما ... ثم عاد إلى الكتمان وتزايد الألم بالمعدة وكان يقول هذا بقايا الغبن من سنة تسع وأربعين وتوابعها، ولم يستطع أن يؤدي صلاة عيد الأضحى الّذي صادف يوم الثّلاثاء، وهو الّذي لم يترك صلاة جمعة ولا جماعة، وصلى الجمعة التي تلي العيد، ثم توجه إلى زوجته الحلبية، وكأنه أحس بدنوّ أجله، فاعتذر عن انقطاعه عنها واسترضاها وكان ينشد:
ثاء الثّلاثين قد أوهت قوى بدني ... فكيف حالي وثاء الثّمانينا
[البسيط] وتردّد إليه الأطباء، وهرع النّاس من الأمراء والقضاة والمباشرين. لعيادته، وقبل
منتصف شهر ذي الحجة من سنة 852 هـ أشيع أن شيخ الإسلام قد توعك فأنشأ يقول:
(من المجتث)
أشكو إلى اللَّه ما بي ... وما حوته ضلوعي
قد طال السّقم جسمي ... بنزلة وطلوعي.
وكان مرضه قد دام أكثر من شهر، حيث أصيب بإسهال ورمي دم (ديسانتري) ، غير أن السّخاوي يقول: «ولا استبعد أنه أكرم بالشهادة فقد كان طاعون قد ظهر» .
ثم أسلم الروح إلى بارئها في أواخر شهر ذي الحجة من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
واختلف مترجموه في تحديد تاريخ يوم وفاته، كما اختلفوا في تحديد يوم ولادته، على أنهم يتفقون جميعا تقريبا على أنها- وفاته- كانت في ليلة السّبت من ذي الحجة، والاختلاف ينحصر في تحديدهم لأي سبت منه، وهذا يرجع إلى أن الأرقام عرضة للتحريف أكثر من غيرها فجعلها بعضهم في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وجعلها آخرون في التاسع عشر منه، على حين ذكرها فريق ثالث في ثامن عشر من ذي الحجة سنة 852 هـ.
وترك وصيته التي نقل السّخاوي نصها، مستقاة من سبطه يوسف بن شاهين، ومما ورد فيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي والمواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته.
وفي أواخر أيامه عاده قاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي فسأله عن حاله، فأنشده أربعة أبيات من قصيدة لأبي القاسم الزّمخشريّ هي:
(من الكامل)
قرب الرّحيل إلى ديار الآخرة ... فاجعل إلهي خير عصري آخره
وار

الحافظ لدين الله

سير أعلام النبلاء

2920- الحافظ لدين الله 1:
صَاحِبُ مِصْر أَبُو المَيْمُوْنِ عَبْدُ المَجِيْدِ بنُ الأمير محمد بن المستنصر بِاللهِ مَعَدّ بن الظَّاهِر عَلِيّ بن الحَاكِم بن العَزِيْز بن المُعِزّ، العُبَيْديُّ الإِسْمَاعِيْلِيُّ المِصْرِيُّ.
بايعُوهُ يَوْمَ مَصْرَعِ ابْنِ عَمِّهِ الآمِر ليدبِّر المملكَةَ إِلَى أَنْ يُولَد حَملٌ لِلآمر إِن وُلِد، وَغَلَبَ عَلَى الأُمُورِ أَمِيْرُ الجُيُوش أَبُو عَلِيٍّ بنُ الأَفْضَل بن بَدْر الجمَالِي. وَكَانَ الآمِرُ قَدْ سَجَنَه عِنْدَمَا قَتَلَ أَبَاهُ، فَأَخْرَجَتِ الأُمَرَاء أَبَا عَلِيٍّ، وَقدَّمُوهُ عَلَيْهِم، فَأَتَى إِلَى القَصْر. وَأَمرَ وَنَهَى، وَبَقِيَ الحَافِظُ مَعَهُ مُنْقَهراً، فَقَامَ أَبُو عَلِيٍّ بِالمُلْكِ أَتمَّ قِيَام، وَعَدَلَ فِي الرَّعيَة، وَرَدَّ أَمْوَالاً كَثِيْرَةً عَلَى المصَادَرين، وَوَقَفَ عِنْد مَذْهَب الشِّيْعَة، وَتَمَسَّكَ بِالإِثنِي عشر، وَتَرَكَ مَا تقولُهُ الإِسْمَاعِيْلِيَّة، وَأَعْرَضَ عَنِ الحَافِظِ وَآلِ بَيْته، وَدَعَا عَلَى منَابِرِ مِصْر لِلْمُنْتَظَر صَاحِبِ السِّرْدَاب عَلَى زَعْمهِم، وَكَتَبَ اسْمَه عَلَى السِّكَّة وَاسْتمرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَلِقَت الدَّوْلَة إِلَى أَنْ شَدَّ عَلَيْهِ فَارسٌ مِنَ الخَاصَّة، فَقَتَلَهُ بِظَاهِرِ القَاهِرَة فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْس مائَة، وَذَلِكَ بتَدْبِيْرِ الحَافِظِ، فَبَادرتِ الأُمَرَاء إِلَى خدمَة الحَافِظ، وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الضِّيق وَالاعتقَالَ، وَجدَّدُوا بَيعَتَهُ، وَاسْتقلَّ بِالمُلْكِ.
وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي الغُرْبَة بِسبَبِ القَحطِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائة بعسقلان.
وعِنْدَمَا مَاتَ الْآمِر قبْله، قَالَ الجُهالُ: هَذَا بَيْتٌ لاَ يموتُ إِمَامٌ مِنْهُم حَتَّى يخلِّفَ ابْناً يَنْصُّ عَلَى إِمَامته، فَخلَّف الآمُر حَمْلاً فَكَانَ بنتاً.
وَكَانَ الحَافِظ يعترِيه القُولَنْج، فَعَمِلَ لَهُ شيرمَاهُ الدّيْلَمِيُّ طَبْلاً مُرَكَّباً مِنْ سَبْعَة معَادنَ فِي شَرَفِ الْكَوَاكِب السَّبْعَة، فَكَانَ مَنْ ضَرَبَهُ وَبِهِ قُولَنْج، انفشَّ مِنْهُ رِيْح كَثِيْرٌ، فَوجَدَ رَاحَةً فَوَجَده السُّلْطَان صلاحُ الدِّينِ فِي خَزَائِنهُم، فَضَرَبَ بِهِ أَمِيْرٌ كرديٌّ فَضَرَطَ، فَغَضِبَ وَشَقَّه، وَلَمْ يعلَم منفَعَتَه.
وَكَانَ الحَافِظُ كلَمَّا أَقَامَ وَزِيْراً تَمَكَّنَ. وَحَكَمَ عَلَيْهِ، فيتَأَلَّمُ وَيتحيَّلُ عَلَيْهِ، وَيَعْمَلُ عَلَى هلاَكِهِ، مِنْهُم، رِضوَان، فسجنَه سبعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الشَّامَ، وَجَمَعَ جُموعاً، وَقَاتَلَ المِصْرِيّين، وَقَاتَلَهُمْ عَلَى بَاب القَاهِرَة، وَانتَصَرَ، ثُمَّ دَخَلَهَا، فَاعتقله الحَافِظُ عِنْدَهُ معزَّزاً فِي الْقصر، ثُمَّ نقب الحَبْس، وَرَاح إِلَى الصَّعيد، وَأَقبلَ بجمعٍ عَظِيْمٍ، وَحَارَبَ، فَكَانَ المُلْتَقَى عند
__________
1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "3/ ترجمة 407"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 237"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 138".
المقرئ: إبراهيم بن عباس بن علي الشافعي الدمشقي.
ولد: سنة (1110 هـ) عشر ومائة وألف.
من مشايخه: السيد ذيب الحافظ الذي رباه، وأخذ القراءات عن الشيخ مصطفى المعروف بالعم المصري وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
• سلك الدرر: "شيخ القراء والمجودين بدمشق الفاضل المقرئ الحافظ الخلوتي (¬1) الكامل الفرضي الفلكي الصالح التقي. وأما في القراءات، فإنه كان بها إمامًا لم يوجد له نظير في الأقطار الشامية".
وقال أيضًا: "وأخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ الأستاذ محمد بن عيسى الكناني الصالحي .. " أ. هـ.
وفاته: سنة (1186 هـ). ست وثمانين ومائة وألف.
من مصنفاته: "اللمعة في تحريم المتعة".

المقرئ: أحمد بن صالح المصري الحافظ المعروف بابن الطبري، أبو جعفر.
ولد: سنة (170 هـ) سبعين ومائة.
من مشايخه: عبد الله بن وهب، وسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق بن همام، وأخذ القراءة عرضًا وسماعًا عن ورش، وقالون وغيرهم.
من تلامذته: حدث عنه محمد بن يحيى الدُّهلي، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
• تاريخ بغداد: "قال ابن يونس، لم يكن له آفة غير الكِبر" أ. هـ.
• المنتظم: "كان الإمام أحمد يثني عليه" .. "قال الخطيب: احتج سائر الأئمة بحديث أحمد بن صالح سوى أبي عبد الرحمن النسائي، فإنه أطلق لسانه فيه، قال: ليس بثقة، وليس الأمر على ما ذكر النسائي، ويقال إنه كانت آفة أحمد بن صالح
¬__________
* الأعلام (1/ 136)، معجم المفسرين (1/ 40)، معجم المؤلفين (1/ 152).
* الصلة (1/ 55)، البغية (1/ 312).
* تاريخ الإسلام وفيات الطبقة الخامسة والعشرون، ط. تدمري، طبقات الشافعبة للسبكي (2/ 6)، الديباج المذهب (1/ 143)، تذكرة الحفاظ (2/ 495)، معرفة القراء (1/ 184)، تهذيب التهذيب (1/ 34)، طبقات الحفاظ (216)، ميزان الاعتدال (1/ 241)، الجرح والتعديل (2/ 56)، طبقات الحنابلة (1/ 48)، شجرة النور (67)، التاريخ الكبير للبخاري (2/ 6)، تاريخ بغداد (4/ 195)، المنتظم (12/ 9)، مختصر تاريخ دمشق (3/ 105 - 108)، السير (12/ 160)، العبر (1/ 450)، الوافي (6/ 424)، المقفى الكبير (1/ 404)، النجوم الزاهرة (2/ 328)، غاية النهاية (1/ 62)، الشذرات (3/ 222)، الأعلام (1/ 137).

الكبر وشراسة الخلق، فقال النسائي فيه، فإنه طرده من مجلسه، فلذلك فسد الحال بينهما وتكلم فيه .. "
أ. هـ.
• المقفى: "قال أبو زرعة: سألنى أحمد بن حنبل قديمًا: من بمصر؟ قلت: بها أحمد ابن صالح -فسر بذكره ودعا له- وأشاد به علماء منهم أبو زرعة الرازي، ويعقوب ابن سفيان الفسوي وغيرهم.
وقال أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني: كان أحمد بن صالح يقوم كل لحن في الحديث.
قال النسائي في كتاب الضعفاء: أحمد بن صالح المصري ليس بثقة. وسأل ابن بكير الدارقطني عن قول النسائي هذا، فقال: أحمد بن صالح ثقة، وفي رواية عن النسائي: أبو جعفر أحمد بن صالح المصري ليس بثقة ولا مأمون: تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب. حدثنا عنه معاوية بن صالح عن يحيى بن معين قال: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف .. وحكى أبو عمر وعثمان المدني عن مسلمة بن القاسم الأندلسي قال: الناس مجتمعون على ثقة أحمد بن صالح لعلمه وخيره وفضله.
وإن أحمد بن حنبل وغيره وثقوه وكتبوا عنه .. "
أ. هـ.
• مختصر تاريخ دمشق: "قال أحمد بن عبد الله العجلي: أحمد بن صالح ثقة صاحب سنة، .. قال محمد بن مسلم بن واره: أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل ببغداد، وابن نمير بالكوفة، والنفيلي بحران هؤلاء أركان الدين" أ. هـ.
• السير: "كان أحمد بن صالح من جلة المقرئين .. قال أبو داود، سألت أحمد بن صالح عمن قال: القرآن كلام الله ولا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق. فقال: هذا شاك، والشاك كافر .. قال الذهبي معلقًا: بل هو ساكت، ومن سكت توزعًا لا ينسب إليه قول، ومن سكت شاكًّا مزريًا على السلف، فهذا مبتدع فإنه متقن ثبت، ولكن عليه مآخذ من تيه وبأدٍ كان يتعاطاه، والله لا يحب كل مختال فخور .. إلى أن قال: ثم شاخ ولزم الخير، فلقيه البخاري والكبار واحتجوا به أحمد بن صالح حَرَج على كل مبتاع وماجنٍ أن يحضر مجلس" أ. هـ.
• طبقات الشافعية للسبكي: "وقال البخاري: هو ثقة ما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة .. أحمد بن صالح ثقة إمام، ولا التفات إلى كلام من تكلم فيه، ثم ذكر السبكي بعض القواعد الضرورية في قاعدة الجرح والتعديل.
ثم قال: "
فقد قيل في أحمد بن صالح الذي نحن في ترجمته: إنه يتفلسف. والذي قال هذا لا يعرف الفلسفة، وكذلك قيل في أبي حاتم الرازي، وإنما كان رجلًا متكلمًا. وقريب من هذا قول الذهبي في المزي .. ولم يكن ولا الذهبي يدريان شيئًا من المعقول. والذي أفتي به، أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبي في ذم أشعري، ولا شكر حنبلي" (¬1) أ. هـ.
• تهذيب التهذيب: "
وقال أبو حاتم قال ابن حبان في كتاب الثقات كان أحمد بن صالح في
¬__________
(¬1) السبكي معروف بتحامله على الإمام الذهبي بسبب سلفية الذهبي وأشعرية السبكي غفر الله للجميع.

الحديث وحفظه عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أهل العراق، ولكنه كان صلفًا تياهًا والذي يروى عن معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: أن أحمد بن صالح البشمومي، شيخ كان بمكلة يضع الحديث، سأل معاوية عنه يحيى، فأما هذا فهو يقارن ابن معين في الحفظ والإتقان انتهى. ويقوي ما قاله ابن حبان أن يحيى بن معين لم يرد صاحب الترجمة ما تقدم عن البخاري أن يحيى بن معين ثبت أحمد بن صالح المصري صاحب الترجمة .. " أ. هـ.
• شجرة النور: "
الثقة الثبت الأمين الحافظ النظّار" أ. هـ.
وفاته: سنة (248 هـ) ثمان وأربعين ومائتين، وقيل (240 هـ) أربعين ومائتين.

المقرئ: أحمد بن محمد بن حاجي بن دانيال الشهاب، أبو العباس الكيلاني الشافعي، ويعرف بالحافظ الأعرج.
من تلامذته: قرأ عليه جعفر السنهوري وغيره.
كلام العلماء فيه:
• الضوء: "برع في فنون وأتقن القراءات مع ابن الجزري وغيره، وأقرأها غير واحد .. مات بالطاعون" أ. هـ.
وفاته: بعد سنة (840 هـ) أربعين وثمانمائة.

النحوي، اللغوي، المفسر, المقرئ: إسحاق بن بهلول بن حسان بن سنان الحافظ التنوخي الأنباري، أبو يعقوب.
ولد: سنة (164 هـ) أربع وستين ومائة.
¬__________
* تاريخ بغداد (6/ 403)، معجم الأدباء (2/ 620)، الوافي (8/ 401)، بغية الوعاة (1/ 438)، الطبقات السنية (2/ 151)، الجواهر المضية (1/ 365)، معجم المؤلفين (1/ 340).
* تاريخ بغداد (6/ 366)، السير (12/ 489)، العبر (2/ 3)، الوافي (8/ 408)، البداية والنهاية (11/ 13)، تاج التراجم (58)، الشذرات (3/ 238)، الطبقات السنية (2/ 153)، معجم المؤلفين (1/ 340)، تاريخ الإسلام (وفيات 252) ط- تدمري، الأنساب (1/ 212)، تذكرة الحفاظ (2/ 518)، طبقات الحفاظ (226)، الجرح والتعديل (2/ 214)، وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية الوسطى (الكبرى 2/ 96).

من مشايخه: أخذ الفقه على الحسن بن زياد، والهيثم بن موسى وغيرهما
من تلامذته: سمع منه إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهما.
كلام العلماء فيه:
* تاريخ بغداد: "قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عَنْ إسحاق بن البهلول الأنباري فقال صدوق" أ. هـ.
* تذكرة الحفاظ: "قال بهلول بن إسحاق: استدعى المتوكل أبي وسمع منه وأقطعه ما يغل في السنة اثني عشر ألفًا ووصله بمال إلى أن قال وحدث ببغداد أو بخمسين ألف حديث لم يخطئ في شيء منها" أ. هـ.
* الوافي: "كان من كبار الأئمة ... كان ثقة وله مذاهب اختارها وحدث ببغداد من حفظه بخمسين ألف حديث وكان يجتهد ولا يقلد أحدًا" أ. هـ.
* الطبقات السنية: "وقد ذكر ابن السبكي، إسحاق هذا في طبقات الشافعية وذكر أنه روى عَنْ الشافعي، وكأنه إنما ذكره لروايته هذه فقط لا بكونه شافعيًّا، فإن إسحاق هذا وجميع أهل بيته كانوا حنفية بلا تردد" أ. هـ.
وفاته: سنة (253 هـ) وقيل (252 هـ) ثلاث, وقيل: اثنتين وخمسين ومائتين وعاش (88) سنة.
من مصنفاته: كتاب في "القراءات"، و"المسند"، و"المتضاد".

اللغوي: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، أبو محمّد، زكي الدين، المنذري.
ولد: سنة (581 هـ) إحدى وثمانين وخمسمائة.
من مشايخه: تفقه على أبي القاسم عبد الرحمن بن محمّد القرشي، وسمع من عبد المجيد بن زهير وغيرهما.
من تلامذته: الدمياطي، وأبو الحسين اليونيني، وابن دقيق العيد وغيرهم.
كلام العلماء فيه:
* السير: "الإمام العلّامة الحافظ المحقق شيخ الإسلام .. قال الحافظ عز الدين الحسيني: .. وكان عديم النظر في علم الحديث على اختلاف فنونه ثبتًا حجة ورعًا متحريًا .. قلت: كان متين الديانة ذا نسكٍ وورع وسمت وجلالة" أ. هـ.
* البداية: "له اليد الطولى في اللغة والفقه والتاريخ وكان ثقة حجة متحريًا زاهدًا" أ. هـ.
* الوافي: "كانت بينه وبين الشيخ شرف الدين الدمياطي صورة جرت العادةُ بها بين المتناظرين في الطلب والاشتغال وكان الشيخ زكي الدين يعرف بينهما من التحاسد والعداوة" أ. هـ.
¬__________
* معجم المفسرين (1/ 290)، هدية العارفين (1/ 576)، الفهرست لابن النديم (246)، سفينة البحار (1/ 167)، الفهرست للطوسي (149)، معجم المؤلفين (2/ 170).
(¬1) نسبة إلى قرية الجلود.
* فوات الوفيات (2/ 296)، ذيل مرآة الزمان (1/ 248)، طبقات الشافعي للسبكي (8/ 259)، طبقات الشافعية للأسنوي (2/ 223)، السير (23/ 319) , العبر (5/ 232)، البداية (13/ 225)، المختصر في أخبار الشر (33/ 197)، السلوك (1/ 2 / 412)، عقد الجمان (1/ 188)، الوافي (14/ 19)، النجوم (7/ 68)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 140)، الأعلام (4/ 30).

* طبقات السبكي: "الحافظ الكبير الورع الزاهد .. ولي الله، والحدث عن رسول الله - ﷺ - والفقيه على مذهب ابن عم رسول الله - ﷺ - تُرتَجى الرحمة بذكره، ويستنزل رضا الرحمن بدعائه، كان -رحمه الله- قد أوتي بالمكيال الأوفى من الورع والتقوى، والنصيب الوافر من الفقه، وأما الحديث، فلا مراء في أنه كان أحفظ أهل زمانه وفارس أقرانه، له القدم الراسخ في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وحفظ أسماء الرجال حفظ مفرط الذكاء عظيمه، والخبرة بأحكامه، والدراية بغريبه وإعرابه واختلاف كلامه .. " أ. هـ.
* قلت في مقدمة كتابها "التكملة لوفيات النقلة" بقلم د. بشار عواد قال: "احتل المنذري في الحديث وعلومه مكانة عظيمة في النصف الأول من القرن السابع الهجري حتى عدَّه المؤرخون حافظ عصره دون منازع، فكان حافظًا بارعًا وجهبذًا من جهابذة الحديث، وناقدًا ماهرًا في علم الجرح والتعديل. وكان فقيهًا مفتيًا، معنيًا بالأدب والأدباء والشعر والشعراء، فكان مكثرًا من رواية الأشعار، لُغويًا بارعًا في العربية.
وعُرِفَ المنذريُّ بزهده وورعه وديانته، يأنس إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية، ويقصدهم ليسمع من كلامهم، ويناظرهم في أمور طريقتهم، ويكتب عنهم شيئًا كثيرًا، حتى قال عنه تلميذه الإمام العالم الزاهد المشهور ابن دقيق العيد: كان أدين مني وأنا أعلم منه.
وفاته: سنة (656 هـ) ست وخمسين وستمائة.
من مصنفاته: "
الترغيب والترهيب"، و "مختصر صحيح مسلم" وغير ذلك.

لَفْظ "تقُول" تَعْمل عَمَل ظَنَّ

معجم القواعد العربية


قد تَأْتي "تَقُول" بمعْنَى تَظُن، ولكن بِشُروطٍ عِنْد الجُمْهور:
الأَول: أنْ يكونَ مُضَارِعاً.
الثاني: أنْ يكونَ مُسنَداً إلى المخاطب.
الثالث: أنْ يُسبَق باسْتِفهامٍ حَرْفاً كان أو اسْماً، سمع الكِسَائي: "أَتَقُولُ للعُميان عُقْلاً" وقال عمرو بن مَعْدِ يكَرِب الزُّبَيْدِي:
عَلامَ تَقُول الرمْحَ يُثْقل عاتقي ... إذا أَنَا لم أطْعُن إذا الخَيْل كُرَّت
ومثلُه قول عمر بن أبي ربيعة:
أمَّا الرَّحِيلُ فدُونَ بَعْدَ غَدٍ ... فمتى تَقُولُ الدارَ تجمَعُنا
الرَابع: ألَّا يَفْصل بينَ الاسْتِفْهام والفِعْل فاصِلٌ، واغْتُفِر الفصلُ بظَرْفٍ أو مَجرُورٍ، أو مَعْمولِ الفِعْل.
فالفصلُ بالظَّرف قولُ الشَّاعِر:
أبَعْدَ بُعْدٍ تَقُولُ الدارَ جامِعَةً ... شَمْلِي بهم أَمْ تَقُولُ البُعدَ مَحْتُوماً
والفَصْل بالمجرور مثل: "أفي الدَارِ تَقُول زَيداً جَالِساً" والفصل بالمعمول كقول الكميت الأسدي:
أجُهَّالاً تَقُولُ بَني لُؤَيَّ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ أمْ متجاهلينا
هذا وتجُوز الحِكايَة مع استِيفاءِ الشَّروط نحو {{أمْ تَقُوُلُون إنَّ إبراهيم}} الآية.
وكما رُوِي في بيت عَمْرو بن معد يكرب: تقول الرمحَ يُثقل عاتَقِي.
والأصل: أن الجملة الفعليَّة، وكذا الإِسميَّة تُحْكى بعد القول ويُسْتَثنى ما تقدم.

وأما في باب مناقشة كلام الحافظ ابن حجر فأقول

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)


أما الوهم فمعلوم أن الوهم إن كثر كان صاحبه سيء الحفظ أو فاحش الغلط؛ وإن قل فإنَّ قلة الوهم لا يطعن بها في صاحبها إلا إذا كان هو مقلاً، إلا إذا كان ابن حجر يريد بالوهم الوهم الذي ينزل صاحبه من رتبة الضبط التام إلى رتبة الضبط القاصر ، أي: من ثقة إلى صدوق، وما أظنه أراد ذلك، فإنه يعلم هو وسائر العلماء أن خفة الضبط وقصوره عن رتبة تمامه ليست جرحاً، وأن مرتبة الصدوق من مراتب التعديل؛ ثم إن ابن حجر هنا إنما هو في مقام الكلام على الأحاديث المردودة، وليس حديث الصدوق منها.
وأما المخالفة فهي دليل الوهم ومظنته، ولا تضر صاحبها ما لم تكثر فيضعف بسببها ؛ والغفلة مثلها.
والحاصل أن في إدخال الوهم والمخالفة والغفلة وعطفها على سوء الحفظ وفحش الغلط في هذا الموضع نظراً، ولم يفسرها ابن حجر في الشرح تفسيراً يسْفر به وجه إيرادها في هذا السياق، فقال:
(أو فحش غلطه) أي كثرته، (أو غفلته) عن الإتقان، (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهم، (أو مخالفته) أي للثقات.
وفسر في (النزهة) (ص123) الخامس، وهو الغفلة، بقوله (كثرت غفلته)!.
ثم إن من أهم ما ينبَّه عليه هنا هو أن الترتيب الذي اختاره ابن حجر للطعون العشرة فيه نظر لا يخفى، بل إنه لا يصح ولا يستقيم؛ ويصعب جداً الجزم بترتيب جميع هذه الطعون، ولا سيما أن أصحاب كل مطعن ليسوا في درجة واحدة في اتصافهم بذلك المطعن؛ وأن طائفة من هذه المطاعن تتقارب وتتداخل وتتشابه في أحيان كثيرة؛ أو أنها ليست منضبطة انضباطاً كاملاً أو كافياً.
وعدَّ الدكتور حاتم العوني في (المنهج المقترح) (ص239) صنيع ابن حجر في هذا التقسيم وفي مسمى حديث كل مطعن تحكماً؛ فشأن ابن حجر رحمه الله في هذه المسألة كشأنه في جملة غير قليلة من المسائل التي تحكم فيها في (النخبة) وفي شرحِها، ومال فيها إلى اصطلاحات وتقسيمات مبتكرة مخالفاً لما جرى عليه سابقوه، دون التنبيه الكافي على ما كانوا عليه في ذلك؛ بل ودون التنبيه على اختصاص هذه المصطلحات والتقاسيم به وحده!! ومثل هذا لا يقال فيه: لا مشاحة في الاصطلاح ، لأنه بمثابة الكلام على لسان أهل الاصطلاح فهو موهم صحة ما لا يصح ؛ والله أعلم.
وهذه تتمة كلام ابن حجر وفيها تسميات أحاديث الأصناف المذكورة من الرواة ؛ فقد قال في بيان ذلك:
فصل:فالأول(1): الموضوع.
والثاني(2): المتروك(3).
والثالث: المنكر، على رأي(4).
وكذا: الرابع، والخامس.
ثم الوهم: إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق: فالمعلل(5).
ثم المخالفة:
إن كانت بتغيير السياق(6): فمدرج الإسناد.
أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن.
أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب(7).
أو بزيادة راوٍ(8): فالمزيد في متصل الأسانيد(9).
أو بإبداله(10) ولا مرجح: فالمضطرب(11)؛ وقد يقع الإبدال عمداً امتحاناً.
أو بتغيير(12) مع بقاء السياق(13): فالمصحف والمحرف(14).
ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل(15) المعاني(16).
(17) أي تغيير حرف أو حروف.
(18) أي مع بقاء صورة الخط في السياق.
(19) قال في الشرح: فإن كان ذلك بالنسبة إلى النَّقْط فالمصحف؛ وإن كان بالنسبة إلى الشكْل فالمحرف. والمراد بالنقط علامات الإعجام والإهمال، والمراد بالشكل الحركات والسكنات. وبهذا يتبين أن المصنف أهمل نوعاً من التحريف وهو ما تتغير فيه صورة الكلمة إلى صورة مقاربة مثل، شعبة وسعيد، وحنين وجبير، وحفص جعفر، وهو كثير شائع.
وأما الكلمة التي يهِم كاتبها فيكتبها خطأ وليست مشابهة لما استبدلت به فليس من باب التصحيف والتحريف الذي هو خطأ بسبب تشابه صور الكلمات؛ وإنما هو من باب الخطأ بسبب انتقال الذهن أو غير ذلك؛ مثل أن ينسخ كتاباً فيأتي ليكتب في سند حديث منه (ابن عباس) فينتقل بصره إلى الحديث الذي قبله أو ينتقل ذهنه فيكتب (ابن عمر).
وقال في الشرح: (إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكْل فالمحرف، ومعرفة هذا النوع مهمة).
قال علي القاري: (الشكل) أي الحركات والسكنات، من شكلت الكتاب: قيدته بالإعراب؛ وقال السخاوي في (فتح المغيث) (3/70): (وفي بعض ما أُدْرج في هذا الباب من الأمثلة تجوز بالنسبة لتعريفه، فقد قال شيخنا---)، ثم ذكر عبارة (النزهة) المذكورة؛ ثم زاد (ولذا قال ابن الصلاح: وتسمية بعض ذلك يعني المذكور تصحيفاً مجاز).
وانظر (التصحيف) و(التحريف).
(20) أي يغير.
(21) انظر (الرواية بالمعنى).
__________
(1) أي الذي فيه راو يكذب في الحديث النبوي.
(2) أي ما يرويه المتهم بالكذب.
(3) سمي المتروك باسمه هذا لا لأن الرواة تركوا روايته، فإن منهم من لا يتركه، والدليل على هذا أنه مروي؛ وإنما سمي متروكاً لأنه كان حقه أن تترك روايته؛ أو لأنه لا نفع به ولا حاجة إليه فإنه لا يصلح للاحتجاج به منفرداً ولا مجتمعاً مع غيره.
(4) أي على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة.
(5) أي فهو المعلل ؛ ومما لا بد من التنبيه عليه هنا أن ذكره للوهم في هذه العبارة يشعر بأن مراده به وهم الثقة، ومن المعلوم أن وهمه لا يثبت إلا بمخالفته الكتاب أو السنة الصحيحة أو التأريخ الثابت أو العقل الصريح، مخالفة لا يصح معها الجمع بين المتخالفين، وكل ذلك هو في الحقيقة نوع من الشذوذ، ولكن اسم الشاذ عند ابن حجر لا يطلق إلا على نوع واحد مما تقدم وهو مخالفة الحديث الأثبت، أي مخالفة الثقة أو الصدوق لراو أوثق منه، أو لعدد من الرواة الثقات الذين توجب كثرتهم واتفاقهم تقديم روايتهم على روايته وإن كان هو أوثق من كل واحد منهم لو انفرد ذلك الواحد.
وبعض العلماء يطلق اسم العلة على جميع ما وهم فيه الثقة، ومنهم من يطلقها على ما خفي كشفه من أوهام الثقات؛ أو من أوهامهم وأوهام غيرهم؛ ومنهم من يطلقها على ما يقدح من أوهام الثقات فقط؛ ومنهم من يطلقها على ما عدا الشذوذ؛ وهذه كلها ألفاظ لا تغير المعاني التي هي المقصد وهي القبول والرد وما يتعلق بهما؛ وأما المصطلحات فلا مشاحة فيها، ولكن ينبغي الحذر من الإيهام وينبغي الاعتناء باصطلاح كل ناقد لمعرفته على وجهه الصحيح.
(6) أي سياق الإسناد ؛ وانظر (مدرج).
(7) ذكر في (النزهة) نوعين من القلب:
القلب في الإسناد: أي في أسماء الرواة، كمرة بن كعب يجعل كعب بن مرة.
والقلب في المتن ، أي كما فعل بعضهم إذ قلب جملة (لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) فجعلها (لا تعلم يمينه ما تنفق شماله).
قلت: ولينظر هل يدخل في القلب في الإسناد تقديم راوٍ على آخر فوقه ، فيصير الطالب شيخاً والشيخ طالباً ، فالمصنف لم يذكره ؛ ولكن مصطلح القلب عند المتقدمين أوسع مما ذكره بكثير؛ فمن عباراتهم في هذا الباب (كان يقلب الأسانيد والمتون)؛ (قلب أحاديث فلان عن فلان فجعلها عن زيد عن عمرو)؛ (انقلبت عليه أحاديث كثيرة).
(8) أي في سند متصل.
(9) انظر (المزيد في متصل الأسانيد).
(10) الضمير في (إبداله) يعود على الراوي، ويعني إبدال راو بغيره.
(11) الاضطراب لا يقع في السند وحده وإنما يقع في المتن أيضاً، ولكن وقوعه في السند أغلب، وإذا روى عدد من الرواة حديثاً اضطربوا فيه عن شيخ لهم فهل الحمل في هذا الاضطراب يكون عليه أم عليهم؟
التحقيق في هذه المسالة أن الاضطراب يحكم به على الأقل ضبطاً من الطرفين، أعني الشيخ والتلاميذ، فان كان الشيخ اوثق منهم فالاضطراب منهم؛ وإن كانوا أوثق منه فالاضطراب منه.
وأما إن تفاوت اولئك الرواة عن ذلك الشيخ في قوتهم في الرواية ولم يختلف الثقات المتقنون فيما رووه عنه من ذلك الحديث ولكن خالفهم فيه من هم دونهم فليس حديثهم من باب المضطرب، وإنما هو من باب المحفوظ والشاذ، أو المعروف والمنكر.
وهكذا يقال فيما لو انفرد راوٍ عن راوٍ بحديث رواه عنه على أوجه متعددة مضطربة فإن الحمل فيه على أضعفهما؛ فإن تساويا فالحمل فيه على المتأخر منهما.
ومما يحسن لفت الأنظار إليه في هذا الموضع هو أن الاضطراب أكثر وقوعه إنما هو في حديث الضعفاء والمتروكين؛ وأن الاضطراب في أحاديث الثقات قليل نادر، وأن الباحث المحقق لن يعدم قدرة على الترجيح بين أحاديث الثقات إذا ما اختلفت، ولذا فإنه من النادر جداً أن تجد حديثاً ورد بأسانيد صحيحة ورده علماء الحديث لاضطراب راويه أو رواته وعدم قدرتهم على الترجيح بين تلك الروايات، ولئن عجز بعضهم عن الترجيح أو تهيبه أو لن يتفرغ له فليس ذلك حال جميعهم في تلك القضية.
شاع استعمال هذه الكلمة عند المحدثين في التعبير عن المحدث الذي يكون عظيم الحفظ كثير الحديث جداً.
وللحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً وقد اختلفت هذه الشروط بين المتقدمين والمتأخرين والمشددين والمسهِّلين.
وقد تعنت المتقدمون في إطلاق هذا الوصف على من يحتمله وتساهل المتأخرون فيه تساهلاً واضحاً ؛ ولعله مما يصلح أن يعتمد عليه في معرفة الحفاظ وتمييزهم عن غيرهم ولو على وجه التقريب(1): كتاب (تذكرة الحفاظ) للحافظ الذهبي ، وذيْلاه، للحسيني ، وابن فهد(2)
، و (طبقات الحفاظ) للسيوطي.
قال الذهبي في (الموقظة) (ص33-36): (تُشترط العدالة في الراوي كالشاهد ، ويمتاز الثقة بالضبط والإتقان ، فإن انضاف إلى ذلك المعرفة والإكثار فهو حافظ.
والحفاظ طبقات في ذروتها أبو هريرة رضي الله عنه ، وفي التابعين كابن المسيب ، وفي صغارهم كالزهري ، وفي أتباعهم كسفيان وشعبة ومالك ، ثم ابن المبارك ويحيى بن سعيد ووكيع وابن مهدي ----.
وممن يوصف بالحفظ والإتقان جماعة من الصحابة والتابعين ، ثم عبيدالله بن عمر وابن عون ومسعر ، ثم زائدة ----.
وممن يُعدّ(3)
من الحفاظ في الطبقة الثالثة عدد من الصحابة وخلق من التابعين وتابعيهم وهلم جراً إلى اليوم ؛ فمثل يحيى القطان يقال فيه إمام وحجة وثبت وجِهْبذ ، وثقة ثقة ، ثم ثقة حافظ ، ثم ثقة متقن ، ثم ثقة ، ثم ثقة عارف ، وحافظ صدوق ونحو ذلك ).
وقال الحافظ ابن حجر في (النكت) (1/268) في أثناء كلام له في شروط الصحيح:
(وإن أراد [يعني ابن الصلاح] أن الراوي شرطه أن يُعدَّ حافظاً فللحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سمَّوه حافظاً وهو: الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف ، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم ، والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم ، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره ، مع استحضار الكثير من المتون ، فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً ، ولم يجعله أحد من أئمة الحديث شرطاً للحديث الصحيح).
ومما يبين تعنت جماعة من القدماء في إطلاق كلمة حافظ: ما أورده الذهبي في (السير) (5/472) قال: ([قال] علي بن مسهر سمعت سفيان يقول: أدركت من الحفاظ ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد وعبد الملك بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد الأنصاري ؛ قلت: فالأعمش ؟ فأبى أن يجعله معهم).
وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (3/1092-1098): (قال الخطيب: لم أر أحداً أطلق عليه اسم الحفظ غير أبي نعيم وأبي حازم العبدوي).
وقال الذهبي في ترجمة عبد العزيز بن أحمد الكتاني (389-466هـ) من (تذكرة الحفاظ) (3/1170-1171)(4):
(الإمام المحدث المتقن مفيد دمشق ومحدثها ---- سمع الكثير وجمع فأوعى ونسخ ما لا يوصف كثرة---- وألف وجمع ، ويحتمل أن يوصف بالحفظ في وقته ، ولو كان موجوداً في زماننا لعُدَّ من الحفاظ----.
قال سعيد المؤدب: قلت للخطيب عند لقائي له: أنت الحافظ أبو بكر ؟ فقال: أنا أحمد بن علي الخطيب ، انتهى الحفظ إلى الدارقطني)
.
قلت: هذا تواضع أو تعنت في اطلاق صفة الحفظ.
وقال المعلمي في (التنكيل) ص675 ـ وعدَّ طائفة من الحفاظ ـ: (ولم أطلق كلمة "الحافظ" إلا على من أطلقها عليه أهل العلم ، لا كالكوثري يطلقها على من دب ودرج من أصحابه).
وقال الخطيب في (الجامع) (2/248-253) تحت باب (من يجوز إطلاق اللفظ في وصفه وتسميته بالحفظ):
(الوصف بالحفظ على الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصةً ، وهو سمةٌ لهم لا تتعداهم ، ولا يوصف بها أحد سواهم ، لأن الراوي يقول: نا فلان الحافظ ، فيحسن منه إطلاق ذلك إذ كان مستعملاً عندهم ، يوصف به علماء أهل النقل ونقادهم ؛ ولا يقول القارئ: لقنني فلان الحافظ ، ولا يقول الفقيه: درسني فلان الحافظ ، ولا يقول النحوي: علمني فلان الحافظ ؛ فهي أعلى صفات المحدثين ، وأسمى درجات الناقلين ؛ مَن وُجدت فيه قُبلت أقاويلُه وسُلِّم له تصحيحُ الحديث وتعليلُه ، غير أن المستحقين لها يقل معدودهم ويعز بل يتعذر وجودهم ، فهم في قلتهم بين المنتسبين إلى مقالتهم أعز من مذهب السنة بين سائر الآراء والنحل ، وأقل من عدد المسلمين في مقابلة جميع أهل الملل).
ثم أخرج عن أبي بكر بن عياش أنه قال: (السنة في الإسلام كالإسلام في الشرك) ؛ وأخرج عنه رواية أخرى بلفظ (السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان) ؛ ثم قال:
(ولقلة من يوجد من أهل الحفظ والإتقان قيل إن احدهم يولد بعد برهة من الزمان) ؛ ثم أخرج عن أبي معشر أنه قال: (الحافظ يولد في الزمان) ، وعن هشيم أنه قال: من يحفظ الحديث قليل ، ثم قال: هم أقل من ذاك).
قال الخطيب عقب ذلك:
فصل:
(فمن صفات الحافظ الذي يجوز إطلاق هذا اللفظ في تسميته أن يكون عارفاً بسنن رسول الله ﷺ بصيراً بطرقها مميزاً لأسانيدها ، يحفظ منها ما أجمع أهل المعرفة على صحته وما اختلفوا فيه للاجتهاد في حال نقلته ؛ يعرف فرق ما بين قولهم: فلان حجة ، وفلان ثقة ، ومقبول ، ووسط ، ولا بأس به ، وصدوق ، وصالح ، وشيخ ، ولين ، وضعيف ، ومتروك ، وذاهب الحديث ؛ ويميز الروايات بتغاير العبارات نحو عن فلان ، وأنَّ فلاناً ؛ ويعرف اختلاف الحكم في ذلك بين أن يكون المسمى صحابياً او تابعياً ، والحكم في قول الراوي: "قال فلان" و "عن فلان" ، وأن ذلك غير مقبول من المدلسين ، دون إثبات السماع على اليقين ، ويعرف اللفظة في الحديث تكون وهماً وما عداها صحيحاً ؛ ويميز الألفاظ التي أُدرجت في المتون فصارت بعضَها لاتصالها بها ، ويكون قد أنعم النظر في حال الرواة بمعاناة علم الحديث دون ما سواه ، لأنه علم لا يعلق إلا بمن وقف نفسه عليه ولم يضم غيره من العلوم إليه ، كما أنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري أنا أحمد بن محمد بن عمران أنا عبد الله بن سليمان قال سمعت الربيع بن سليمان يقول: مر الشافعي بيوسف بن عمرو بن يزيد وهو يذكر شيئاً من الحديث ، فقال: يا يوسف تريد أن تحفظ الحديث وتحفظ الفقه ؟ هيهات.
وأخبرني محمد بن أبي القاسم الأزرق أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد النقاش أن محمد بن عبد الرحمن السامي اخبرهم بهراة قال: أنا علي بن الجعد قال: سمعت قاضي القضاة يعني أبا يوسف يقول: العلم شيء لا يعطيك بعضَه حتى تعطيَه كلَّك ، وأنت إذا أعطيته كلك من إعطائه البعضَ على غرر.
سمعت أبا علي عبد الرحمن بن محمد بن فضالة النيسابوري بالري يقول: سمعت أبا نصر عزيز بن ناصح الفقيه بإيلاقَ يقول: سمعت أبا أحمد نصر بن أحمد العياضي الفقيه السمرقندي يقول: لا ينال هذا العلمَ الا من عطَّل دكانه وخرَّب بستانَه وهجر إخوانَه ومات أقربَ أهله إليه فلم يشهد جنازته )
إلى آخر كلامه.
وانظر (محدِّث) و (صاحب حديث) و (الحاكم).
__________
(1) بحسَب شروط المتأخرين وعُرفهم.
(2) وربما استعملوا كلمة (حافظ) بمعنى (ضابط) ؛ وهذا موجود في استعمال بعض المتقدمين.
وفي ترجمة الحسين بن أحمد النعالي من (لسان الميزان) (3/141): (وكان يعرف بالحافظ، لأنه كان يحفظ ثياب الناس في الحمّام)؛ قال محققه عبد الفتاح أبو غدة: (هذا تعبير لأهل بغداد، ويقال فيه أيضا 'الثيابي' نسبة إلى الثياب وحفظها؛ انظر "توضيح المشتبه" 1/614).
(3) تصحفت في مطبوعة دار الآثار إلى (تعدّى) ، والتصحيح من مطبوعة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ، فقد كنت نقلت منها هذا النص ، ثم فقدتُ نسختي قبل البدء بتبييض الكتاب ، ولذلك جعلتُ أصلَ إحالتي على الطبعة الأخرى المذكورة.
(4) انظر في ترجمة هذا المحدث زيادة على (التذكرة): (تاريخ دمشق) (36/262-265) و(السير) (12/248-250) و(العبر) (3/261) و(الإعلان بالتوبيخ) (ص333) و(شذرات الذهب) (2/325) و(كشف الظنون) (2/2019) و(الرسالة المستطرفة) (ص212) و(شجرة النور) (1/517) و (المؤرخون الدمشقيون) للمنجد (ص17) و(الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام) (ص400) ومقدمة صالح مهدي عباس لـ(وفيات ابن رافع) (1/58-59) و (تاريخ الإسلام) (حوادث ووفيات 461-470) (ص202-204) وما ذكر بهامش ترجمته من مصادر أخرى وهي كثيرة.
  • الحافظ
تقدم معنى كلمة (حافظ) ، ولكني أفردت هذه اللفظة هنا - الحافظ - لأذكرَ أن كثيراً من المتأخرين والمعاصرين يطلق كلمة الحافظ من غير ذكر الاسم وهو يريد بها ابن حجر العسقلاني، مثل أن يقال: (هذا الحديث صححه الحافظ) ، أو يقال: (قال الحافظ في الفتح كذا) ؛ فهي لقب لهذا الحافظ الكبير المتميز بين أهل عصره والعصور التالية ، رحمه الله.

حدثنا زيدٌ وعمرو واللفظ لعمرو

لسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين)

قال ابنُ الصلاح في (معرفة أنواع علوم الحديث) (ص200-203) في تفريعه على النوع السادس والعشرين: ( الحادي عشر: إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين أو أكثر، وبين روايتهما تفاوت في اللفظ، والمعنى واحد، كان له أن يجمع بينهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما خاصة، ويقول: ( أخبرنا فلان وفلان ، واللفظ لفلان)، أو: (وهذا لفظ فلان، قال ، أو: قالا: أخبرنا فلان ) ، أو ما أشبه ذلك من العبارات.
و لمسلم صاحب (الصحيح) مع هذا في ذلك عبارة أخرى حسنة مثل قوله (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش ، وساق الحديث). فإعادته ثانياً ذِكْرُ أحدهما خاصة إشعارٌ بأن اللفظ المذكور له.
وأما إذا لم يخص لفظ أحدهما بالذكر، بل أخذ من لفظ هذا ومن لفظ ذاك، وقال: ( أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، قالا: أخبرنا فلان ) فهذا غير ممتنع على مذهب تجويز الرواية بالمعنى.
وقول أبي داود صاحب (السنن): ( حدثنا مسدد وأبو توبة ، المعنى ، قالا: حدثنا أبو الأحوص ) ، مع أشباه لهذا في كتابه: يحتمل أن يكون من قبيل الأول، فيكون اللفظ لمسدد ويوافقه أبو توبة في المعنى.
ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني، فلا يكون قد أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه بالمعنى عن كليهما، وهذا الاحتمال يقرب في قوله ( حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل - المعنى واحد - قالا: حدثنا أبان ).
وأما إذا جمع بين جماعة رواةٍ قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أروده لفظ كل واحد منهم، وسكت عن البيان لذلك، فهذا مما عيب به البخاري أو غيره، ولا بأس به على مقتضى مذهب تجويز الرواية بالمعنى.
وإذا سمع كتاباً مصنفاً من جماعة، ثم قابل نسخته بأصل بعضهم دون بعض، وأراد أن يذكر جميعهم في الإسناد ويقول: ( واللفظ لفلان ) ، كما سبق، فهذا يحتمل أن يجوز كالأول، لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن ذكر أنه بلفظه.
ويحتمل أن لا يجوز، لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين حتى يخبر عنها، بخلاف ما سبق فإنه اطلع على رواية غير من نسب اللفظ إليه و[هو](1)على موافقتهما من حيث المعنى، فأخبر بذلك، والله أعلم ).
وقال العراقي في ألفيته:
وحيث أكثر من شيخ سمع
بلفظ واحد وسمى الكل صح
بيانه مع قال أو مع قالا
اقتربا في اللفظ أو لم يقل
بأصل شيخ من شيوخه فهل ... متناً بمعنى لا بلفظ فقنع
عند مجيزي النقل معنى ورجح
وما ببعض ذا وذا وقالا
صح لهم والكتب إن تقابل
يسمى الجميع مع بيانه احتمل
فقال السخاوي في (فتح المغيث) (3/180-187) في شرح هذه الأبيات: ( الفصل السابع: "اختلاف ألفاظ الشيوخ" في متن أو كتاب واقتصار من سمع منهم على بعضها ، "وحيث" كان الراوي "مِن أكثر من شيخ" اثنين فأكثر ، "سمع" متناً ، أي حديثاً ، "بمعنى" واحد اتفقوا عليه ، "لا بلفظٍ" واحد ، بل هم مختلفون ، "فقنع" حين إيراده إياه "بلفظ واحد" منهم "وسمى" معه "الكلَّ" حملاً للفظهم على لفظه ، بأن يقول فيما يكون فيه اللفظ لأبي بكر بن أبي شيبة ، مثلاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن مثنى ومحمد بن بشار ، قالوا: حدثنا فلان "صح" ذلك "عند مجيزي النقل معنى" أي بالمعنى ، وهم الجمهور كما سلف في بابه ، سواءً بيَّن ذلك أوْ لا ؛ وممن فعله حماد بن سلمة ، فإنه قيل: إنه كان يحملُ ألفاظَ جماعة يسمع منهم الحديث الواحد على لفظ أحدهم مع اختلافهم في لفظه ؛ "و"لكن "رجح" بيانه عندهم ، أي هو أحسن ، بأن يعيِّن صاحبَ اللفظ الذي اقتصر عليه بقوله: واللفظ لأبي بكر بن أبي شيبة ونحو ذلك ، للخروج من الخلاف ، فإن لم يعلم تمييز لفظ أحدهما عن الآخر فالراجح بيانه أيضاً ، كما وقع في الحديث الذي عند أبي داود عن مسدد عن بشر بن المفضل ثنا ابن عون عن القاسم بن محمد وإبراهيم ، زعم أنه سمع منها جميعاً ولم يحفظ حديث هذا من حديث هذا ، ولا حديث هذا من حديث هذا ، قالا: قالت أم المؤمنين ، يعني عائشة: بعث رسول الله ﷺ بالهدى ، وذكر حديثاً ؛ ونحوه قوله أيضاً: ثنا مسدد وأبو كامل دخل حديث أحدهما في الآخر ، ثم هو في سلوكه البيان حيث ميز بالخيار بعد تعيين صاحب اللفظ بين أن يكون "مع" إفراد "قال أو مع" ، بسكون العين فيهما ، "قالا" ، إن كان أخذه عن اثنين ، أو قالوا ، إن كانوا أكثر.
وقد اشتدت عناية مسلم ببيان ذلك حتى في الحرف من المتن وصفة الراوي ونسبه ، وربما - كما قدمته في الرواية بالمعنى - كان بعضه لا يتغير به معنى ، وربما كان في بعضه تغير ولكنه خفي لا يتفطن له إلا من هو في العلوم بمكان ؛ واستحسن له(2)
قوله: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعاً عن ابن عيينة ، قال أبو بكر: ثنا سفيان بن عيينة ، من أجل أن إعادته ثانياً ذِكرَ أحدِهما خاصةً يشعر(3) - كما قال ابن الصلاح - بأن اللفظ المذكور له ، ويتأيد بقوله في موضع آخر: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب جميعاً عن حفص بن غياث ، قال ابن نمير: ثنا حفص عن محمد بن زيد عن عمير مولى أبي اللحم ، قال: كنت مملوكاً فسألت رسول الله ﷺ: أتصدق من مال مواليّ بشيء ؟ قال: نعم ، والأجر بينكما نصفان ؛ فإن لفظ أبي بكر - كما في مصنفه: حفص ، بدون صيغة ، وساق سنده ، قال: كنت عبداً مملوكاً ، وكنت أتصدق ، فسألت النبي ﷺ ، وكان مولاي ينهاني ، أو سأله فقال: الأجر بينكما ؛ ولفظ زهير - كما عند أبي يعلى في "مسنده" - عنه: حدثنا حفص ، وساق سنده ، قال: كنت مملوكاً وكنت أتصدق بلحم من لحم مولاي ، فسألت النبي ﷺ ، فقال: تصدق والأجر بينكما نصفان ؛ وعن أبي يعلى أورده ابن حبان في "صحيحه" ، فانحصر كونُ اللفظ لمن أعاده ثانياً ، في أمثلة لذلك لا نطيل بها.
وربما لا يصرح برواية الجميع عن شيخهم ، كقوله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، قال أبو بكر: ثنا يحيى بن آدم ثنا حسن بن عياش.
وربما تكون الإعادة لأجل الصيغة ، حيث يكون بعضهم بالعنعنة ، وبعضهم بالتحديث أو الإخبار ؛ وعليه ، فتارة يكون اللفظ متفقاً ، وتارة مختلفاً.
وكثيراً ما ينبه أبو داود وغيره على التوافق في المعنى في الجملة ، من غير تعيين صاحب اللفظ ، كقوله: ثنا ابن حنبل وعثمان بن أبي شيبة ومسدد ، المعنى ؛ وربما قال: المعنى واحد ، كقوله: ثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، المعنى واحد ؛ وهي أوضح ، فربما يتوهم غيرُ المميِّزِ كونَه المعنيّ ، بكسر النون ، نسبة لمعن ؛ ويتأكد حيث لم يقرن مع الراوي غيره.
وقد يكون(4) في حديث أحد الراويين أتقن ، كقول أبي داود: ثنا أبو الوليد الطيالسي ، وهدبة بن خالد وأنا لحديثه أتقن.
وممن سبق مسلماً لنحو صنيعه: شيخُه الإمام أحمد ، فهو حريص على تمييز الألفاظ في السند والمتن.
وقد ينشأ عن بعضه - لمن لم يتدبر - إثباتُ راوٍ لا وجودَ له ، ومنه قول أحمد: حدثنا يزيد بن هارون وعباد بن عباد المهلبي ، قالا: أنا هشام ، قال عباد [: ا]بن زياد ؛ حيث ظن بعضُ الحفاظ أن زياداً هو والد عباد ، وليس كذلك ، بل هو والد هشام ، اختص عباد بزيادته عن رفيقه يزيد.
ونحوه قوله أيضاً "حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي الأبيض قال حجاج [:] رجل من بني عامر ، عن أنس ، فذكر حديثاً ؛ فليس قوله "رجل من بني عامر" وصفاً لحجاج ، بل هو مقوله وَصف به أبا الأبيض ، انفرد بوصفه له بذلك عن رفيقه ؛ وحجاج هو ابن محمد أحد شيخي أحمد فيه ؛ وأمثلة ذلك كثيرة.
وإذا تقرر هذا فلا اختصاص للصحة حيث لم يبين ، بما يخص فيه الراوي واحداً بجميع المتن ، بل يلتحق به "
ما" يأتي فيه "ببعض" لفظ "ذا" ، أي أحد الشيخين "و"بعض لفظ "ذا" ، أي الآخر ، مما اتحد عندهما المعنى فيه ، ميَّز الراوي لفظ أحدهما من الآخر ، أو لم يميز ، "وقالا" أي الراوي لفظ "اقتربا" أي كل من الشيخين "في اللفظ" ، أو قال: المعنى واحد ، وما أشبههما ، "أو لم يقل" شيئاً منه ، فإنه أيضاً قد "صح لهم" ، أي لمجيزي النقل بالمعنى ؛ والأحسن أيضاً البيان لا سيما وقد عِيبَ بتركه البخاريُّ - فيما قاله ابن الصلاح - وحمادُ بن سلمة فيما قاله غيرُه(5) ، حتى إن البخاري لم يخرج له في الأصول من "صحيحه" ، بل واقتصر مسلم فيها - كما قاله الحاكم - على خصوص روايته عن ثابت.
لكن قد رُدَّ على مَن عاب البخاري به ، بأنَّ ذلك بمجرده لا يوجب أسقاطاً إذا كان فاعله يستجيز الرواية بالمعنى ؛ هذا عبد الله بن وهب لم يتأخر البخاري ولا غيره من الأئمة عن التخريج له ، مع كونه ممن يفعله ، وإنما ترك الاحتجاج بجماد مع كونه أحد الأئمة الأثبات الموصوف بأنه من الأبدال ، لأنه قد ساء حفظه ، ولهذا فرق بين صنيعه وصنيع ابن وهب بأن ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ ؛ وبه يجاب عن البخاري ؛ على أن البخاري وإن كان لا يعرج على البيان ولا يلتفت إليه ، هو - كما قال ابن كثير - في الغالب ، وإلا فقد تعاطى البيان في بعض الأحايين ، كقوله في تفسير البقرة: ثنا يوسف بن راشد ثنا جرير وأبو أسامة ، واللفظ لجرير ، فذكر حديثاً ، وفي "
الصيد والذبائح": ثنا يوسف بن راشد أيضاً ثنا وكيع ويزيد بن هارون ، واللفظ ليزيد ؛ ولكن ليس في هذا ما يقتضي الجزم بكونه من البخاري ، إذ يحتمل أن يكون ذلك من شيخه ، كما سيأتي في الفصل التاسع في مسألة أخرى.
وربما يسلك مسلكاً دقيقاً يرمز فيه للبيان ، كقوله في الحج: ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب - هو الزهري - عن عروة عن عائشة ؛ وحدثني محمد بن مقاتل أخبرني عبد الله - هو ابن المبارك - أنا محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانوا يصومون عاشوراء ، قبل أن يفرض رمضان ، وكان يوماً تُستر فيه الكعبة ، فلما فرض الله رمضان قال رسول الله ﷺ: من شاء أن يصومه فليصممه ، ومن شاء أن يتركه فليتركه ؛ فإن الظاهر أنه إنما عدل عن أن يقطع السند الأول عند الزهري ثم يقول بعد ابن أبي حفصة من الثاني: كلاهما عن الزهري ، لكون اللفظ للثاني فقط ؛ ويتأيد بجزم الإسماعيلي بأن ستر الكعبة إنما هو عند ابن أبي حفصة خاصةً دون عقيل ؛ وحينئذ فرواية عقيل لا تدخل في الباب الذي أوردها فيه ، وهو باب قول الله {{جعل الله الكعبة}} الآيةَ ؛ ولذا قال الإسماعيلي: إن عادة البخاري التجوز في مثل هذا ، وقول أبي داود في "
سننه": ثنا مسدد وأبو توبة المعنى ، قالا: ثنا أبو الأحوص ، يحتمل أن يكون المعنى يتعلق بحديثهما معاً ، وحينئذ فيكون من باب "وتقاربا في اللفظ" ، ويحتمل أن يتعلق بأبي توبة فقط ، ويكون اللفظ للأول ، وحينئذ فهو من باب "واللفظ لفلان".
قال البلقيني: ويلزم على الأول أن لا يكون رواه بلفظِ واحدٍ منهما ؛ قال: وهو بعيد ؛ وكذا إذا قال: أنبأنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ ، لا انحصار له في أن روايته عن كل منهما بالمعنى ، وأن المأتيَّ به لفظٌ ثالثٌ غير لفظيهما ، والأحوال كلها آيلة في الغالب إلى أنه لا بد أن يسوق الحديث على لفظ مروي له برواية واحدة والباقي بمعناه ، انتهى ، وتبعه الزركشي ؛ وفيه نظر ، كما أشار إليه العز بن جماعة ، فيجوز أن يكون ملفقاً منهما ، إذ من فروع هذا القسم - كما سيأتي في الفصل الثالث عشر - ما إذا سمع من كل شيخ قطعةً من متنٍ فأورده عن جميعهم بدون تمييز.
"
والكتب" المصنفة ، كالموطأ والبخاري ، المسموعة عند الراوي من شيخين فأكثر ، وهو القسم الثاني "إن تُقابَل بأصل شيخٍ" خاصة "من شيوخه" ، أو شيخيه ، دون من عداه ، فهل له أن يسمي عند روايته لذلك الكتاب الجميع مع بيانه أن اللفظ لفلان الذي قابل بأصله ؟ قال ابن الصلاح: "احتمل" الجواز ، كالأول ، لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن ذكر أنه بلفظه ، واحتمل عدمه ، لأنه لا علم عنده بكيفية رواية مَن عداه حتى يُخبر عنه ، بخلاف ما سبق فإنه اطلع فيه على موافقة المعنى ؛ وتوقف بعض المتأخرين في إطلاق الاحتمال وقال: ينبغي أن يُخص بما إذا لم يبين حين الرواية الواقع ، أما إذا بيّن - كما هو فرض المسألة - فالأصل في الكتب عدم الاختلاف ، ولو فُرض فهو يسيرٌ غالباً تجبره الإجازة ؛ هذا إذا لم يَعلم الاختلافَ ، فإن علمه فقد قال البدر بن جماعة: إنه إن كان التفاوت في ألفاظ ، أو في لغات ، أو اختلاف ضبطٍ: جازَ ، وإن كان في أحاديث مستقلة فلا ).
وانظر (المعنى) و(الرواية بالمعنى).
__________
(1) هذه الزيادة من نسخة خطية لكتاب ابن الصلاح ، كما أشار إليها محققه.
(2) أي للإمام مسلم.
(3) كأنَّ الجادة (تُشعر) بالتاء.
(4) أي المحدث ، كأبي داود.
(5) انظر كلام الحاكم في (سير أعلام النبلاء) للذهبي (7/446).
سوء الحفظ هو أن يكون الراوي لا يحسن حفظ ما يسمعه من مروياتٍ ، فيكثر خطؤه فيما يحدث به من حفظه ، إلا إذا كان يحدث من كتابه ، وكان كتابه صحيحاً.
وإذا أطلق النقاد هذه اللفظة (سيء الحفظ) في راو فهم إنما يريدون أنه يحدث من حفظه وهو حفظ سيء؛ وأما من كان يحدث من كتابه فلا معنى لوصفه بسوء الحفظ وإن كان حفظه سيئاً؛ بل إن وصفه بذلك مع الاقتصار عليه وعدم البيان لكيفية أدائه وأنه يحدث من كتابه: يوهم أنه يحدث من حفظه السيء؛ ولهذا لا ينبغي أن يوصف به إلا مع البيان والتقييد؛ قال المعلمي في قسم التراجم من (التنكيل) ، في ترجمة جرير بن عبد الحميد: ( فإن قيل فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ وإنما اعتماده على كتبه ، قلت: هذا لا يعطي ما زعمه الأستاذ "أنه كان سيئ الحفظ " ، فان هذه الكلمة إنما تطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ ومع ذلك يحدث من حفظة فيخطئ ، فأما من لا يحدث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيد الحفظ). انتهى كلام المعلمي.
وهذه العبارة (سيء الحفظ) يصف بها بعض النقاد من هو ضعيف عندهم ، وهم الأغلب ؛ ويصف بها آخرون من هو لين الحديث صالح للاعتبار ، وقد ترد في وصف من يُترك ؛ قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (2/272) (1): ( سمعت أبي وسألته عن أبي الربيع السمان ، فقال: ضعيف الحديث منكر الحديث سيء الحفظ ، يروى المناكير عن الثقات).
ويدل على سوء حفظ الراوي كثرة مخالفته للثقات ، وهو الشذوذ ، أو كثرة مخالفته لنفسه ، وهو الاضطراب ، أو كثرة انفراده عن الثقات المشاهير بالغرائب التي لا تحتمل من مثله ، مع ثبوت عدالته في نفسه(2).
هذا ما كان ظهر لي من معنى هذه العبارة وبعض ما يتعلق بها، ثم وقفت على كلام صاحب (تحرير علوم الحديث) فيها ، فدونك ما قاله في شرح معناها عند النقاد (1/602-603):
(عبارة صريحة التعلُّق بحديث الراوي ، وليست كثيرةَ الورود في كلام المتقدِّمين مطلقةً دون وصف آخر ، وإنما كان أكثرُ ما ترد عنهم مقرونةً بوصف آخر ، كالقول: (صدوق سيء الحفظ) ، و (سيء الحفظ كثير الوهم) ، أو (كثير الغلط) ، أو (كثير الخطأ) ، وما في معناها ، أو (مضطرب الحديث) ، وغير ذلك.
وإنما جاءت مطلقةً في الراوي بعد الراوي ، وقعت في كلام أحمد بن حنبل ، وأبي حاتم الرازي ، وأبي بكر البزار ، والدارقطني ، وكثر استعمالها بإطلاقٍ في كلام المتأخرين.
ويندر أن تجدها تستعمل فيمن بلغ به سوءُ الحفظ إلى حدِّ الترك.
كما وقع فيما حكاه عمرو بن علي الفلاَّسُ عن يحيى بن سعيد القطان في عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط ، وهو متروك الحديث ، قال: " كان سيء الحفظ "(3).
وكما قال عمرو بن علي في عبيدة بن معتب الضبي: " سيء الحفظ متروك الحديث "(4).
قلت: وهو متروك عند جماعة من النقاد ، ضعيف لا يبلغ الترك عند آخرين.
وقالوا في جماعة: (سيء الحفظ جداً)، ولا تَعني السقوطَ.
والتحقيق: أن الضعف العائد إلى سوء الحفظ قد يبلغ صاحبُه حدَّ الترك ، كما بينتُه في (تفسير الجرح) ، لكن يندُرُ ذلك في الرواة الذين قيلت فيهم هذه العبارة ، بل أكثرهم يُعتبر بحديثه ، ولا يكادُ يُقبل حديث من رَجَحَ له هذا الوصفُ، لذاته، وإن كان منعوتاً بالصدق). انتهى كلامه ؛ وعندي من التعقيب عليه أن قوله في آخره (ولا يكاد يُقبل----) غير جيد، بل الصحيح حذف لفظة (يكاد) من الجملة ليصح معناها فيكون موافقاً لمنهج أئمة الحديث رحمهم الله.
(5) الكامل لابن عَدي (6/436).
(6) الجرح والتعديل (3/1/94).
__________
(1) وبعبارة أخرى: كلمة (سيء الحفظ) إنما تطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ ومع ذلك يحدث من حفظه فيخطئ ، فأما من لا يحدث من حفظه إلا بما أجاد حفظه فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيد الحفظ ؛ فمن كان لا يحدث من حفظه ويقتصر في التحديث على ما في كتابه فلا يجوز لأحد أن يصفه بسوء الحفظ ويطلق كلامه ، ولو كان في نفسه كذلك ، لأن مقتضى ذلك الإطلاق رد رواياته وتضعيفها ؛ فإن قولهم ذلك في الراوي معناه أنه أخطأ كثيراً فيما حدث به ، فهذا معناها الاصطلاحي ، وهو مقدم على معناها اللغوي الذي هو ضعف ضبطه في صدره لما يسمعه ، وقلة حفظه له ، سواء أداه إلى غيره من كتابه أو من حفظه ، أم لم يؤده أصلاً.
وإنما يجوز أن يوصف مثل ذلك الراوي بسوء الحفظ في حالة بيان أنه كان لا يحدث من حفظه.
أصل هذا الكلام للعلامة المعلمي فانظره في ترجمة (جرير بن عبد الحميد) من (التنكيل) (1/225) ، أو انظر (الضبط).
من قيل فيه هذا القول فهو ضعيف ضعفاً لا يمنع من الاستشهاد بحديثه ، أي الاحتجاج بما توبع عليه ؛ وانظر (سيء الحفظ).
أي حسن الحديث ؛ وكلمة (له حفظ) في هذا التركيب إما أن يكون المراد بها أنه مقاربٌ للحفاظ في سعة حفظهم ومتانته، أو أنه له ضبطٌ فهو مقارب للثقات أي أصحاب التوثيق التام.
يتضح من هذا أن هذه الكلمة - على الاحتمالين - غير كافية في رفع من وُصف بها ، إلى مرتبة هؤلاء الثقات التامة وثاقتهم.
وأُلقي إلى الشيخ مقبل الوادعي في (المقترح) (ص42) هذا السؤال: (قول الحافظ في ترجمة أحمد بن بكار أبي ميمونة ، قال: صدوق كان له حفظ ، فهل هذا يرفعه إلى درجة الثقة) ؟
فأجاب بقوله: (يبقى حسن الحديث ولا يرتفع إلى درجة الثقة لأن الصدوق له حفظ ، ولو لم يكن له حفظ لكان من الضعفاء).
أي ثقة ، وكلمة حافظ عند المتقدمين تعني في أغلب مواردها الضبط ، ولا يلزم أن يكون من قيلت فيه واسع المحفوظ جداً بحيث يستحق أن يسمى حافظاً بالمعنى المعروف عند المتأخرين ؛ انظر (عدل) و(حافظ) و(ضابط) أو (ضبط) و(عدل ضابط).
أي لا يحفظ أحاديثه ، فهو كثير الغلط فيما يرويه ؛ وانظر (ليس بالحافظ) ، و(ليس بمحكم الحديث).
يستعمل البزار في نقد الرواة كلمة (ليس بالحافظ) أو (لم يكن بالحافظ) يريد بهما ضعف الراوي وأحياناً الضعف الشديد؛ وأما عند الجمهور فتستعملان غالباً لتليين الراوي.
قال ابن القطان الفاسيُّ في (بيان الوهم والإيهام) (4/336) في تفسير هذه العبارة: (هذا قد يقال لمن غيرُه أحفظ منه).
قال عبد الله بن يوسف الجديع في (التحرير) (1/589-590):
(قلت: وذلك كما قال يحيى بن سعيد القطان في عاصم بن سليمان الأحول: " لم يكن بالحافظ "(1) ، فإن عاصماً كان من الثقات المتقنين ، ولكن جفَّتْ فيه عبارةُ يحيى ، وغاية القول: أراد بالنظر إلى أقرانه من البصريين.
ومما يبينه أيضاً أن ابن أبي حاتم سأل أباه عن حديث يرويه حُميد بن قيس الأعرج وقد اختُلف عليه فيه ؟ فقال: " إن كان شيء فمن حميد ؛ لأن حميداً ليس بالحافظ "(2).
قلت: وحميد هذا من الثقات ، وإنما فيه لِين يسير.
وسأل البرذعي أبا زرعة الرازي عن رواية يونس بن يزيد الأيلي عن غير الزهري ؟ فقال: " ليس بالحافظ "(3).
قلت: أراد ليس بالمتقنٍ لما رواه عن غير الزهري إتقانَه عن الزهري ، ولهذا نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة إطلاقه القول في يونس هذا: " لا بأس به "(4).
وقال أبو حاتم الرازي في عبد الله بن نافع الصائغ: " ليس بالحافظ ، هو لين ، تعرف حفظه وتنكر ، وكتابه أصح"(5).
قلت: وهو عندهم جيد الحديث ، وهذا لا تخْرج عنه عبارة أبي حاتم هذه.
وقال ابن عدي في الهيثم بن جميل الأنطاكي: " ليس بالحافظ ، يغلط على الثقات "(6).
قلت: وهو موصوف عند عامتهم سوى ابن عدي بالحفظ والإتقان والثقة ، وكأنه لينه لوهم يسير وقف عليه منه ، والثقة قد يخطئ.
وممن يكثُر استعمالُه لها: أبو أحمد الحاكم ، ولفظُه بها: "ليس بالحافظ عندهم" ، فهو يلخص بذلك عبارة من تقدمه من نقاد المحدثين ، وقد يعني بها ما ذكرتُ من دلالتها على المنزلة المتوسطة للراوي ، وربما عنى الضعفَ الذي لحق الراوي بسبب سوء الحفظ والوهم والخطأ ، وقد يكون أثر ذلك في حديثه قليلاً ، وقد يكون كثيراً.
لذا ، يجب تمييز قدر الضعف فيها بالنظر في عبارات من تقدم أبا أحمد من النقاد.
وتُقايَس بها عبارات هي في معناها ، كقولهم: "ليس بالمتقن") ؛ انتهى كلامه.
وأما قولهم (كان لا يحفظ) وقولهم (غير حافظ) فعبارتان دالتان على ضعف الراوي من جهة عدم ضبطه ، بل وربما استعملت مقرونة بكلمات الترك ؛ قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (2/272) (7): (أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان: (نا محمد بن إبراهيم ثنا عمرو بن علي الصيرفي أنه قال: أبو الربيع السمان متروك الحديث وكان لا يحفظ ).
__________
(1) وقع في (جامع التحصيل) (ص79) و (ص90): (يستجيز) بدل (يحب).
(2) أي سندٌ متصل بالثقات.
(3) انظر هذا الكلام وما يتعلق به تحت (لا أعلمه يُروى إلا من هذا الوجه).
(4) أخرجه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (3/1/343).
(5) علل الحديث (6).
(7) سؤالات البرذعي (2/684).
(8) الجرح والتعديل (4/2/249).
(9) الجرح والتعديل (2/2/184).
(10) الكامل (8/399).
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت