نتائج البحث عن (تتا) 50 نتيجة

تتا: تَتْوا الفُسَيْلَة (* قوله «تتوا الفسيلة» هو هكذا في الأصل بصيغة التصغير، والذي في القاموس تتوا القلنسوة؛ وصوب شارحه ما في اللسان) : ذُؤَبَتاها؛ ومنه قول الغلام الناشد للعنز: وكأَنَّ زَنَمَتَيْها تَتْوا فُسَيْلة، والله أَعلم.
(تتاءن)الصَّيْد وَله ختله واحتال على اصطياده وَيُقَال تتاءن فلَانا خادعه
(تَتَابَعَت) الْأَشْيَاء توالت وَيُقَال تتَابع الْفرس جرى جَريا مستويا لَا يرفع فِيهِ بعض أَعْضَائِهِ
(تتاركوا) الْأَمر بَينهم تَرَكُوهُ
(تتالع) فِي مَشْيه مد عُنُقه وَرفع رَأسه
(تتام) الْقَوْم جاؤوا كلهم وتموا وَيُقَال تتاموا إِلَيْهِ
(تتايع) الْجمل فِي مشيته حرك ألواحه والسكران رمى بِنَفسِهِ وَفُلَان فِي الشَّرّ وَعَلِيهِ تهافت وأسرع وَفِي الْأَمر لج وللقيام اسْتَقل لَهُ وَالْقَوْم فِي الأَرْض تباعدوا فِيهَا على حيرة وَشدَّة وَالرِّيح باليبيس وورق الشّجر ذهبت بِهِ وَالْأَمر سَار فِيهِ على خلاف النَّاس وَيُقَال تتايع فِيهِ
الاستتار:[في الانكليزية] Disguise [ في الفرنسية] Deguisement

هو في اللغة الفارسية: در يرده شدن.وهو عند الشعراء أن يغطّى حرف بحرف آخر من أجل استقامة الوزن مثل أن تقرأ العين أيضا.وهذا من العيوب. وأما المستتر عند النحاة فهو نوع من الضمائر، ويسمّى أيضا مستكن.وسيجيء في لفظ الضمير.
بَاب تتَابع الشَّيْء بِهِ

ترادفت وتواصلت وَتَتَابَعَتْ وتوالت وتواترت وتعاقبت واستدرت وألحت وعلقت واتسقت وانتظمت وتكاثفت وترامت
تَتَا:
كل واحد من التاءين مفتوح وفوق كل واحد نقطتان، بليد بمصر من أسفل الأرض، وهي كورة يقال لها كورة تميّ وتتا. وبمصر أيضا بنا وببا وننا، وسأذكر كل واحدة في موضعها.
فَتَتان
صورة كتابية صوتية من فَتَاتان مثنى فتاة بمعنى الشابة في أول الشباب بين المراهقة والنضج. يستخدم للذكور والإناث.
فُتَّتان
من (ف ت ت) مثنى فُتَّة بمعنى الكتلة من التمر، وما يدق ويوضع تحت الزند. يستخدم للذكور والإناث.
شَتَّتاي
صورة كتابية صوتية من شتاء: الكثير الإقامة بالمكان من شتاء واليوم شديد البرد.
مُفْتَتَاح
صورة كتابية صوتية من مُفْتَتَح: أول كل شيء ومبدؤه.
عَبْدُ السَّتَتَار
صورة كتابية صوتية من عبد السِّتَار.
تتاي
إحدى صيغ الاسم "تاتوم" المأخوذ عن الانجليزية بمعنى بهيجة ومبتهجة. يستخدم للإناث.
تَتَاوِيّ
صورة كتابية صوتية من تطاوي: نسبة إلى تطاوي: قرية في محافظة الغربية بمصر.
التتالي: كون الأشياء التي لها وضع ليس بينها شيء آخر من جنسها.
اكْتِتَابالجذر: ك ت ب

مثال: بدأ الاكتتاب في المشروع الجديدالرأي: مرفوضةالسبب: لأنها لم ترد في المعاجم القديمة بهذا المعنى. المعنى: تسجيل أسماء المشاركين

الصواب والرتبة: -بَدَأ تسجيل أسماء المشتركين في المشروع الجديد [فصيحة]-بَدَأ الاكتتاب في المشروع الجديد [صحيحة] التعليق: خلت المعاجم القديمة من استخدام الفعل «اكتتب» بمعنى شارك في عمل خيري، أو طلب تسجيل اسمه في مشروع جماعي، ولكنها ذكرت «اكتتب» بمعنى كتب اسمه في ديوان الحاكم. ويمكن تصحيح الاستعمال المرفوض لأنه قريب الصلة من المعنى القديم؛ ولأنه وارد في المعاجم الحديثة كالوسيط، والأساسي، والمنجد.
تَتَابعت النوائبالجذر: ت ب ع

مثال: تتابعت النوائب عليهالرأي: مرفوضةالسبب: لمجيء التتابع في الشر، وهو لا يأتي إلا في الخير والصلاح. المعنى: تَوالت عليه

الصواب والرتبة: -تَتَابَعت النوائب عليه [فصيحة] التعليق: لم يرد في المعاجم تقييد التتابع بالخير أو بالشر، مما يفيد جواز مجيئه فيهما معًا، وقد ورد في الحديث: «تتابعت على قريش سِنُو جَدْب» فدل على جواز مجيئه في الشر.
تتابع الإضافاتالأمثلة: 1 - صَارُوخ أَرْض أَرْض 2 - صَارُوخ أَرْض جَوّ 3 - صَارُوخ جَوّ أرض 4 - صَارُوخ جَوّ جَوّالرأي: مرفوضةالسبب: لأن هذا التعبير غير مألوف في لغة العرب.

الصواب والرتبة:1 - صاروخ أرض أرض [صحيحة]2 - صاروخ أرض جَوّ [صحيحة]3 - صاروخ جَوّ أرض [صحيحة]4 - صاروخ جَوّ جَوّ [صحيحة] التعليق: يرى البعض أن هذا التعبير يوجّه على أنه من قبيل المركب الإضافي وتكون الإضافة للتخصيص، أو بحمله على المركب المزجي. وقد أجازه مجمع اللغة المصري على أساس أنه من تتابع الإضافات.

تسكين أواخر الأعلام المتتابعة بعد حذف كلمة «ابن» منها

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

تسكين أواخر الأعلام المتتابعة بعد حذف كلمة «ابن» منها

مثال: اسْمُه محمَّدْ ماهِرْ حَسَنْالرأي: مرفوضةالسبب: لحذف كلمة «ابن» من الأسماء المتتابعة، والوقوف عليها بالسكون.

الصواب والرتبة: -اسمه محمدْ ماهِرْ حَسَنْ [صحيحة]-اسمه محمّدُ ماهِرِ حَسَنٍ [صحيحة] التعليق: (انظر: حذف كلمة «ابن» من الأعلام المتتابعة، والوقوف عليها بالسكون).

حذف كلمة «ابن» من الأعلام المتتابعة، والوقوف عليها بالسكون

معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر

حذف كلمة «ابن» من الأعلام المتتابعة، والوقوف عليها بالسكون

مثال: اسْمُه محمَّدْ ماهرْ حَسَنْالرأي: مرفوضةالسبب: لحذف كلمة «ابن» من الأسماء المتتابعة، والوقوف على هذه الأعلام بالسكون.

الصواب والرتبة: -اسمه محمدْ ماهِرْ حَسَنْ [صحيحة]-اسمه محمّدُ ماهرِ حَسَنٍ [صحيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري حذف «ابن» من الأعلام المتتابعة، وضبط هذه الأعلام على أحد وجهين: إعراب الأول بحسب موقعه ويجرّ ما يليه بالإضافة، والوجه الثاني هو تسكين الأعلام كلّها إجراء للوصل مجرى الوقف. وذلك تيسيرًا على القرّاء والكتَّاب، وتخلصًا من صعوبة الإعراب.
الاستِتَابة: هي الدعاء إلى التوبة بالرجوع عن الكفر إلى الإسلام.
الاستتَار: ومنه حديث: "لا يستتر من بوله" أي لا يجعل بينه وبين بوله سترة أي لا يتحفظ.
إتحاف السامع، بافتتاح الجامع
للحافظ، شمس الدين: محمد بن عبد الله بن ناصر الدين الدمشقي.
المتوفى: سنة أربعين وثمانمائة.
ذكر فيه: فضل الحديث وأهله، وفضل الصحيحين وتدريسه.
أوله: (الحمد لله الذي افتتح كتابه بعد ذكر اسمه... الخ).
التَّتَالِي: كَون الْأَشْيَاء الَّتِي لَهَا وضع لَيْسَ بَينهَا آخر من جِنْسهَا.
الاسْتتَار: حيلولة البشرية بَين الله وَبَين العَبْد.

الانْكِبابُ والدُّخُول فِي الشيءِ والاسْتِتار بِهِ

المخصص

أَبُو عبيد، الإِنْكِراس - الإِنْكِباب ونحوُه والإِنْغِلال - الدُّخُول ويُقال غَلَلت - دَخَلت فِي الشَّيْء، أَبُو عَليّ، غَلَلتْه - أدْخَلْته وَأنْشد غَلَلْت المَهَارَي بينَها كُلَّ ليْلة وبَيْن الدُّجَى حتَّى أَراها تَمَزَّق أَبُو عبيد، التَّكَدُّس - أَن يُحَرِّك مَنْكِبيه وَكَأَنَّهُ يَرْكَبُ رأسَه والتَّكَاوُس - التَّراكُم، وَقَالَ، انْدَمَج وادَّمَج وانَّمَس أخذَه من النامُوس إِذا دَخَل فِي الشَّيْء واسْتَتَر بِهِ والنَّامُوس - جِبْريلُ عَلَيْهِ السَّلَام، ابْن دُرَيْد، نامَسْته - جعَلْته موضعا لِسِرِّي وكلُّ شَيْء سَتَرت فِيهِ شَيْئا فَهُوَ نامُوسٌ لَهُ، أَبُو عبيد، إنْزَبق وإنْزَقَب - دخَل فِي الشيءِ واستَتَر بِهِ، ابْن دُرَيْد، إنْقَمع فِي بَيته وقَمَع قُمُوعاً - دخَل فِيهِ مُسْتَخْفياً وَبِه سُمِّي قَمَعةُ بنُ إلْياسَ، وَقَالَ، خَشَّ فِي الشيءِ يَخُشُّ خَشّاً وإنْخَشَّ - دخَل فِيهِ وسُمِّي الرجُل مِخَشّاً ويُقال خَبَع فِي المَكَان وإنْخَشَف - دخَل فِيهِ ورجلِ اسَ، وَقَالَ، خَشَّ فِي الشيءِ يَخُشُّ خَشّاً وانْخَشَّ - دخَل فِيهِ وسُمِّي الرجُل مِخَشّاً ويُقال خَبَع فِي المَكَان وإنْخَشَف - دخَل فِيهِ وَرجل مِخْشَف من ذَلِك وَقد تقدّم أنَّ المِخَشَّ والمِخَشَف الجَرِيان، وَقَالَ، إنْشامَ فِي الناسِ - دخَل فيهم، أَبُو عبيد، وَكَذَلِكَ تَشَيمَّهم، وَقَالَ، تَخَللَّت الْقَوْم - دخلْت بَين خِلَلهِم وخِلالهم وَمِنْه تَخَلُّل الأسْنانِ، ابْن دُرَيْد، جُسْت القومَ جَوْساً - تخَلَّلتهم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى (فَجَاسُوا خِلاَل الدِّيار) وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّال فحاسُوا خِلالَ الديار وَهُوَ فِي معنى جاسُوا، أَبُو عبيد، انْدمَق الرجلُ - دخَل وأدْمَقْته - أدخلته

نُعوتُ الضَّرْبِ فِي الشَّدَّةِ والإيجاع والتَّتَابُع

المخصص

أَبُو عبيد اللَّخْف الضَّرْب الشَّدِيد ٍ ابْن دُرَيْد ضَرْبُ طلَّحف وطِلَحْف وطَلَحْفِّى السيرافي وطِلْحِيفّ ابْن دُرَيْد وَطَلَخْفّى وطِلْخَاف شَديد وَقد تقدَّم فِي الطَّعْنِ وَقَالَ ضَرَبَهُ ضَرْباً وَجِيعاً وَمْوجِعاً وَهَذَا أحدُ مَا جَاءَ على فَعِيلِ من أفْعَلَ وَقَالَ ضَرَبَه فاصْعَنْررَ أَي الْتَوى من الوَجَعِ قَالَ أَبُو عَليّ لَا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ مَزِيداً كاسْحَنْكَكَ السيرافي اصْعَرَّرَ صَاحب الْعين ضَرَبَهُ فَارْتَعَصَ كَذَلِك وَقَالَ التَّضَوُّر مثله وَقَالَ الوَقْدُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ وَقد وَقَذَهُ ورَجُلُ مَوْقُوذُ ووَقِيذُ وَكَذَلِكَ الشاةُ ابْن دُرَيْد ضَرْبُ قَحيط شدِيد الفرَّاء ضَرْب سِجَّين شَدِيد مُؤْلِمُ صَاحب الْعين الصَّكُّ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ بالشيءِ العَرِيضِ أَبُو زيد هُوَ الضَّرْبُ عامَّة بِأَيّ شَيْء كَانَ صَكَّه يَصُكُّه صَكَّا أَبُو عبيد ضَربه مِائَةُ فَمَا تَأَلَّسَ أَي تَوَجَّعَ وَقَالَ ضَرَبَه حَتَّى أقضه على المَوْت أَي حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهِ ابْن دُرَيْد ضَرضبَهُ ضَرْباً وَلَقَى اي مُتَتابعاً بعضُه فِي إثْر بعض وَهُوَ الوَلْق والمَلْق ضَرْبة بعْدَ ضَرْبَة ابْن السّكيت الهَبْت الضَّرْب المُتَتَابعُ الَّذِي فِيهِ رَخَاوَة وَقَالَ بِهِ هَبْتةُ أَي ضَرْبَةُ من جُنُون فأمَّا أَبُو عبيد فعمَّ بالهَبْت وَلم يذْكُر أيَّ نوع هُوَ من الضَّرْب أَبُو عبيد التَّعْزير ضَرْب أشَدُّ من الحَدْ وَقيل هُوَ ضَربُ دونَ الحدَّ قطرب الخَبْط الضَّرْب أَبُو عبيد فَرَثْت كَبِدَه ضَرَبْته حَتَّى انْفَرثَ وَقَالَ ضربه حتَّى طَرَّق بجَعْره أَيْن الْتَطَخَ بِهِ ابْن دُرَيْد ضرَبه حتَّى طَرْشَحَه والطَّرْشَحَة الاسْتِرْخَاء الْأَصْمَعِي البَكْع الضَّرْبُ المُتَتَابع الشَّدِيدُ

التّتابع على الْأَمر

المخصص

قَالَ الْفَارِسِي: تآدَى الْقَوْم على الشّيء وتَعادَوا وتَقارَعوا: تتابعوا، فَأَما أَبُو عُبَيْد فخصّ بِهِ الْمَوْت، فَقَالَ: تَقارَع الْقَوْم وتَعادَوا: مَعْنَاهُمَا أَن يَمُوت بَعضهم فِي إِثْر بعض، وَأنْشد: فمالك من أروى تَعادَيْتِ بالعمى ولاقَيْتِ كَلاّباً مُطِلاًّ ورامِيا
الْإِيمَاء
أَبُو عُبَيْد: وَمَأْتُ إِلَيْهِ وَمْأً وأَوْمَأْت، وَأنْشد: فَمَا كَانَ إلاّ ومؤُها بالحواجب ووبّأت كأومأْتُ.
ابْن جني: وبّأت وأَوْبَأْت وَقيل الإِيماء أَن يكون أمامك فتشير إِلَيْهِ بِيَدِك تَأمره بالإقبال إِلَيْك، والإيباء أَن يكون خَلفك فتفتح أصابعك إِلَى ظهر يدك تَأمره بالتّأخر عَنْك.
أَبُو عُبَيْد: رتا بِرَأْسِهِ رُتوّاً مثل الإِيماء وَقد تقدم أَن الرّتو: الشّدُّ والإرخاء.
ابْن السّكيت: خلَجَه بِعَيْنِه وحاجبه يخلِجُه ويخلُجُه خَلْجاً.
ابْن دُرَيْد: وَالْعين تختلج: أَي تضطرب وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَعْضَاء، وَقَالَ أَحْمد بن يحيى رَفَفْت إِلَيْهِ أرِفُّ رَفّاً: أَوْمَأت

فَأَما أَبُو عَليّ فَقَالَ رَفَّ إِلَيْهِ يرِفُّ أَي اختلج وَأنْشد: لم أدْر إلاّ الظّنَّ ظنَّ الْغَائِب أَبِكَ أم بِالْغَيْبِ رفَّ حاجبي أَبُو عُبَيْد: التّكفير: إِيمَاء الذِّمّي بِرَأْسِهِ لَا يُقَال سجد فلَان لفُلَان وَلَكِن يُقَال كفَّر.
ابْن السّكيت: أشرْت إِلَيْهِ وشوَّرْت: أَوْمَأت.
صَاحب الْعين: المُشيرة: الإِصبع التّي تسمى السّبَّابة.
أَبُو زيد: أَوْمَضْتُ بعيني: أَوْمَأْت.
صَاحب الْعين: الرّمْز: الإِيماء بالحاجب وَغَيره وَقد تقدم أَنه الْكَلَام الخفيّ، وَجَارِيَة رمّازة.
غَيره: الاعتزاز: الإِيماء من الاعتزاء الَّذِي هُوَ الشّعار فِي الْحَرْب وَحَقِيقَة الاعتزاء الانتماء وَأنْشد: فَكيف وأصلي من تميمٍ وفَرْعُها إِلَى أصل فَرعي واعتزائي اعتِزاؤها أَبُو عُبَيْد: وَحَيْت إِلَيْهِ وأوحيت: أَوْمَأت وَقد تقدم فِي اللّحن بالْقَوْل.
صَاحب الْعين: الغَمْز: الإِشارة بِالْعينِ والحاجب، غمزَه يغمِزُه غمْزاً وَجَارِيَة غمّازة: حَسَنَة الغَمز.
*التتار قبيلة مغولية، استقرت بعد القرن الخامس للميلاد فى منغوليا الشرقية ومنشوريا الغربية، وشكلت جزءًا من جحافل جنكيز خان التى اجتاحت أوربا الشرقية فى مطلع القرن الثالث عشر الميلادى، وبعد انقسام إمبراطورية جنكيز خان أطلق اسم التتار على الشعوب التركية، التى تألّف منها ما يعرف عادة ب الجحفل الذهبى، وخلال القرن الرابع عشر الميلادى دخل التتار فى الإسلام.
وعدد التتار حاليًّا خمسة ملايين نسمة، يقيم معظمهم فى جمهورية تتارستان، وفى الجزء الشمالى من بلاد القوقاز، وفى شبه جزيرة القرم وأجزاء من سيبريا.
وقد أطلق اسم التتار فى كثير من الأحيان على جميع المغول وعلى الأتراك أيضًا.
وأشهر طوائفهم: تتار (كنشاهـ)، الذين كان الروس تحت حكمهم قبل القرن العاشر للميلاد، وتتار (القازان)، وتتار (سيبريا).
في الفرنسية/ Succession
في الانكليزية/ Succession
في اللاتينية/ Successio
تتالت الامور تلا بعضها بعضا، يقال: جاءت المصائب متتالية، أي متتابعة. قال ابن سينا: التتالي كون الأشياء التي لها وضع ليس بينها شيء آخر من جنسها (رسالة الحدود). وقال ايضا: الآنات لا تتالى. وفي هذين القولين ما يدل على ان التتالي عنده مرادف للاتصال تارة، ومختلف عنه اخرى.
وللتتالي في الفلسفة الحديثة عدة معان، وهي:
1 - التتالي علاقة بين حدود مختلفة تشغل آنات متجاوزة، وتتميز بعضها من بعض على نحو يسمح بترتيبها في نظام طبيعي، أو اصطناعي.
2 - التتالي علاقة بين حدود مختلفة ذات نظام شبيه بنظام الاعداد وان كانت غير موجودة في الزمان، وهذا النوع من التتالي يمكن ان يسمى بالسلسلة.
3 - وكما يطلق التتالي على تتابع الأجزاء فكذلك يطلق على تتابع المجموعات والجمل، ولا يشترط

في تتابع المجموعات ان تكون اجزاؤها متميزة، لأن معنى التتابع هنا انتقال الكل من حال إلىحال كتتابع احوال الشعور عند برغسون)، لأن الشعور في نظر هذا الفيلسوف شبيه بسيّال دائم الحركة، كل حالة من احواله تتضمن الكل وتتضامن مع احواله الأخرى، ولها ديمومة متصلة، تدل على انتقال الشعور من حال إلىحال في تتابع مستمر، من غير أن تكون أجزاؤه متميزة بعضها من بعض.
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِتَابَةُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ التَّوْبَةِ، يُقَال: اسْتَتَبْتُ فُلاَنًا: عَرَضْتُ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ مِمَّا اقْتَرَفَ.
وَالتَّوْبَةُ هِيَ: الرُّجُوعُ وَالنَّدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ، وَاسْتَتَابَهُ: سَأَلَهُ أَنْ يَتُوبَ (1) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
صِفَتُهَا (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) :
2 - اسْتِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ فَتُزَال. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهَا: مُسْتَحَبَّةٌ؛ لأَِنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُ (2) .
اسْتِتَابَةُ الزَّنَادِقَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ:
3 - فِي اسْتِتَابَةِ الزَّنَادِقَةِ وَفِرَقِ الْبَاطِنِيَّةِ رَأْيَانِ.
الأَْوَّل: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الظَّاهِرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، رَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، لاَ يُسْتَتَابُونَ وَلاَ يُقْبَل مِنْهُمْ، وَيُقْتَلُونَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا}} (3) ، وَالزِّنْدِيقُ لاَ تَظْهَرُ مِنْهُ عَلاَمَةٌ
تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ؛ لأَِنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِْسْلاَمِ، مُسِرًّا لِلْكُفْرِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا، وَهُوَ إِظْهَارُ الإِْسْلاَمِ؛ وَلأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاطِنِ خِلاَفَ مَا يُظْهِرُونَ.
الثَّانِي: وَهُوَ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ، وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، يُسْتَتَابُ؛ لأَِنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ، فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ (4) . (ر: زَنْدَقَة) .
اسْتِتَابَةُ السَّاحِرِ:
4 - اسْتِتَابَةُ السَّاحِرِ فِيهَا رِوَايَتَانِ.
الأُْولَى: لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لاَ يُسْتَتَابُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِل عَنِ الصَّحَابَةِ. فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَتَابَ سَاحِرًا، لِخَبَرِ عَائِشَة: إِنَّ السَّاحِرَةَ سَأَلَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ: هَل لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَمَا أَفْتَاهَا أَحَدٌ (5) وَلأَِنَّ السِّحْرَ مَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَلِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ.
الثَّانِيَةُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يُسْتَتَابُ. فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَلأَِنَّ اللَّهَ قَبِل تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ؛ وَلأَِنَّ السَّاحِرَ لَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَحَّ إِسْلاَمُهُ وَتَوْبَتُهُ، فَإِذَا صَحَّتِ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا (أَيِ السَّاحِرِ
وَالْكَافِرِ)
صَحَّتْ مِنْ أَحَدِهِمَا (السَّاحِرِ الْمُسْلِمِ) ، (ر: سِحْر) وَيَأْخُذُ حُكْمَ الْمُرْتَدِّ، فَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ (6) .
اسْتِتَابَةُ تَارِكِ الْفَرْضِ:
5 - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى اسْتِتَابَةِ تَارِكِ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ أَوِ اسْتِخْفَافٍ، حَيْثُ تُقْبَل تَوْبَتُهُ. فَإِنْ أَبَى أَنْ يَتُوبَ، قَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ عِنْدَهُمْ: يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يَمُوتَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رَأْيٌ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَبَى يُقْتَل، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ (7) .
__________
(1) لسان العرب 1 / 233 ط بيروت، والمصباح المنير، والمغني 8 / 154
(2) فتح القدير 4 / 385، وابن عابدين 3 / 285، والدسوقي 4 / 304، والقليوبي 4 / 177، والمغني 8 / 124
(3) سورة البقرة / 160
(4) ابن عابدين 1 / 31 و3 / 269، ونهاية المحتاج 7 / 399 ط المكتبة الإسلامية، والجمل 5 / 126 ط إحياء التراث، والقليوبي وعميرة 4 / 177 ط عيسى الحلبي، وجواهر الإكليل 1 / 256 ط شقرون، والمغني 6 / 298 ط مكتبة الرياض الحديثة.
(5) الحديث أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 1 / 249 ط دار الأندلس.
التَّعْرِيفُ:
1 - الاِسْتِتَارُ فِي اللُّغَةِ: التَّغَطِّي وَالاِخْتِفَاءُ. يُقَال: اسْتَتَرَ وَتَسَتَّرَ أَيْ تَغَطَّى، وَجَارِيَةٌ مُسْتَتِرَةٌ أَيْ مُخَدَّرَةٌ (1) . وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا اسْتَعْمَلُوهُ بِمَعْنَى اتِّخَاذِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلاَةِ.
وَالسُّتْرَةُ (بِالضَّمِّ) هِيَ فِي الأَْصْل: مَا يُسْتَتَرُ بِهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ غَلَبَ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ عَلَى: مَا يُنْصَبُ أَمَامَ الْمُصَلِّي، مِنْ عَصًا أَوْ تَسْنِيمِ تُرَابٍ أَيْ
تَكْوِيمِهِ وَنَحْوِهِ (2) ، لِمَنْعِ الْمُرُورِ أَمَامَهُ.
وَيُسَمَّى سَتْرُ الصَّدَقَةِ إِخْفَاؤُهَا
صِفَتُهُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ) :
2 - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِتَارِ تَبَعًا لِلأَْحْوَال وَالأَْفْعَال الَّتِي يَكُونُ فِيهَا، عَلَى مَا سَيَأْتِي:
الاِسْتِتَارُ (بِمَعْنَى اتِّخَاذِ الْمُصَلِّي سُتْرَةً)
3 - اتِّخَاذُ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي مَشْرُوعٌ اتِّفَاقًا؛ لِحَدِيثِ: لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ. (3) ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالسُّنَّةِ أَوِ الاِسْتِحْبَابِ، عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (سُتْرَةُ الْمُصَلِّي) . (4)
الاِسْتِتَارُ حِينَ الْجِمَاعِ:
4 - يَشْمَل الاِسْتِتَارُ هُنَا أَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: الاِسْتِتَارُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ حِينَ الْوَطْءِ.
الثَّانِيَ: عَدَمُ التَّجَرُّدِ حِينَ الْوَطْءِ.
أَمَّا الأَْوَّل: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي حَالَةِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، أَوْ فِي حَالَةِ عَدَمِ انْكِشَافِهَا.
فَفِي حَالَةِ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الاِسْتِتَارِ، أَمَّا فِي حَالَةِ عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنَ الْعَوْرَةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِتَارَ سُنَّةٌ. وَأَنَّ مَنْ يَتَهَاوَنُ فِيهِ فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: {{
إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ. (5) وَحَمَلُوا الأَْمْرَ عَلَى النَّدْبِ
وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّنَاءَةِ وَالإِْخْلاَل بِالْمُرُوءَةِ (6) .
وَأَمَّا الثَّانِي: (عَدَمُ التَّجَرُّدِ حِينَ الْجِمَاعِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا أَحَدٌ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (7) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يُجَرِّدَ زَوْجَتَهُ لِلْجِمَاعِ، وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِكَوْنِ الْبَيْتِ صَغِيرًا، وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ قَال: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ تُرِيَهَا أَحَدًا فَلاَ تُرِيَنَّهَا. قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَال: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ (8)
وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّي، فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُمْ إِلاَّ عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُل إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ. (9)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ، لِحَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلاَ يَتَجَرَّدَا تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ. (10)
5 - مَا يُخِل بِالاِسْتِتَارِ:
أ - يُخِل بِالاِسْتِتَارِ وُجُودُ شَخْصٍ مُمَيِّزٍ مُسْتَيْقِظٍ مَعَهُمَا فِي الْبَيْتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ زَوْجَةً، أَمْ سُرِّيَّةً، أَمْ غَيْرَهُمَا (11) ، يَرَى أَوْ يَسْمَعُ الْحِسَّ (12) ، وَبِهِ قَال الْجُمْهُورُ، وَقَدْ سُئِل الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ الرَّجُل يَكُونُ لَهُ امْرَأَتَانِ فِي بَيْتٍ، قَال: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَطَأَ إِحْدَاهُمَا وَالأُْخْرَى تَرَى أَوْ تَسْمَعُ (13) .
ب - وَيُخِل بِالاِسْتِتَارِ وُجُودُ نَائِمٍ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، فَقَال الرَّهُونِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ لِمَتْنِ خَلِيلٍ: لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يُصِيبَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَمَعَهُ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ يَقْظَانُ أَوْ نَائِمٌ (14) ، لأَِنَّ النَّائِمَ قَدْ يَسْتَيْقِظُ فَيَرَاهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَال.
ج - وَيُخِل بِالاِسْتِتَارِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ وُجُودُ صَغِيرٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، اتِّبَاعًا لاِبْنِ عُمَرَ الَّذِي كَانَ يُخْرِجُ الصَّبِيَّ
فِي الْمَهْدِ عِنْدَمَا يُرِيدُ الْجِمَاعَ (15) . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ - وَمِنْهُمْ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ وُجُودَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لاَ يُخِل بِالاِسْتِتَارِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مَشَقَّةٍ وَحَرَجٍ.
الآْثَارُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى تَرْكِ الاِسْتِتَارِ فِي الْجِمَاعِ:
6 - مِنْ حَقِّ الْمَرْأَةِ الاِمْتِنَاعُ عَنْ إِجَابَةِ طَلَبِ زَوْجِهَا إِلَى فِرَاشِهِ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَتِرُ عَنِ النَّاسِ حِينَ الْجِمَاعِ، وَلاَ تَصِيرُ نَاشِزًا بِهَذَا الاِمْتِنَاعِ؛ لأَِنَّهُ امْتِنَاعٌ بِحَقٍّ؛ وَلأَِنَّ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ يَأْبَيَانِ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ (16) ، وَقَوَاعِدُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ تَأْبَاهُ.
الاِسْتِتَارُ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ:
7 - يَشْمَل هَذَا أَمْرَيْنِ: الاِسْتِتَارُ عَنِ النَّاسِ، وَالاِسْتِتَارُ عَنِ الْقِبْلَةِ إِنْ كَانَ خَارِجَ الْبُنْيَانِ. أَمَّا الأَْوَّل، فَالأَْصْل وُجُوبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، بِحُضُورِ مَنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَة) ، كَمَا أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ اسْتِتَارُ شَخْصِ الإِْنْسَانِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْغَائِطِ.
وَأَمَّا الاِسْتِتَارُ عَنِ الْقِبْلَةِ بِسَاتِرٍ فَإِنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَرَى جَوَازَ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، إِنِ اسْتَتَرَ عَنِ الْقِبْلَةِ بِسَاتِرٍ. وَيَرَى بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا مُطْلَقًا، وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالاِسْتِتَارِ عَنِ الْقِبْلَةِ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءُ الْحَاجَةِ) .
الاِسْتِتَارُ حِينَ الاِغْتِسَال:
أ - وُجُوبُ الاِسْتِتَارِ عَمَّنْ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ:
8 - الأَْمْرُ الَّذِي لاَ خِلاَفَ فِيهِ هُوَ: افْتِرَاضُ الاِسْتِتَارِ حِينَ الاِغْتِسَال، بِحَضْرَةِ مَنْ لاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةِ الْمُغْتَسِل (17) ، لِقَوْلِهِ ﷺ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. (18) وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِل، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَال: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. (19) (ر: عَوْرَة)
فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الاِغْتِسَال إِلاَّ بِكَشْفِ عَوْرَتِهِ أَمَامَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ حِينَئِذٍ لاَ يُسْقِطُ وُجُوبَ الْغُسْل عَلَيْهِ - إِنْ كَانَ رَجُلاً بَيْنَ رِجَالٍ، أَوِ امْرَأَةً بَيْنَ نِسَاءٍ - لأَِمْرَيْنِ: الأَْوَّل: نَظَرُ الْجِنْسِ إِلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْجِنْسِ الآْخَرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْغُسْل فَرْضٌ فَلاَ يُتْرَكُ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ.
أَمَّا إِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ، أَوْ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ، أَوْ خُنْثَى بَيْنَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، أَوْ هُمَا مَعًا، فَلاَ يَجُوزُ لِهَؤُلاَءِ الْكَشْفُ عَنْ عَوْرَاتِهِمْ لِلْغُسْل، بَل يَتَيَمَّمُونَ، لَكِنْ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَمْ يُسَلِّمْ بِهَذَا التَّفْصِيل؛ لأَِنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْل
الْمَأْمُورِ، وَلِلْغُسْل خَلَفٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ (20) .
وَعُمُومُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ، فِي تَحْرِيمِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ الاِغْتِسَال بِحُضُورِ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إِلَيْهَا، يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ.
وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ تَرَتَّبَ عَلَى الْقِيَامِ بِالطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَإِنَّهُ يُصَارُ إِلَى التَّيَمُّمِ؛ لأَِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لاَ بَدَل لَهُ؛ وَلأَِنَّهُ وَاجِبٌ لِلصَّلاَةِ وَالصِّيَانَةِ عَنِ الْعُيُونِ، وَيُبَاحُ فِعْل الْمَحْظُورِ مِنْ أَجْلِهِ، كَاسْتِتَارِ الرَّجُل بِالْحَرِيرِ إِذَا تَعَيَّنَ. أَمَّا الطَّهَارَةُ الْمَائِيَّةُ فَلَهَا بَدَلٌ، وَلاَ يُبَاحُ فِعْل الْمَحْظُورِ مِنْ أَجْلِهَا (21) وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ وَالأَْئِمَّةُ الأَْرْبَعَةُ يَتَشَدَّدُونَ فِي الْمَنْعِ مِنْ دُخُول الْحَمَّامِ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي ذَلِكَ آثَارًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، حَتَّى بَلَغَ الأَْمْرُ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ: لاَ يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ، وَبِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَصْرَةِ أَمَّا بَعْدُ: فَمُرْ مَنْ قِبَلَكَ أَلاَّ يَدْخُلُوا الْحَمَّامَ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ، وَأَخَذَ يَفْرِضُ الْعُقُوبَاتِ الرَّادِعَةَ عَلَى مَنْ دَخَل الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَعَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ الَّذِي أَدْخَلَهُ. وَعَنْ عُبَادَةَ قَال: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَضْرِبُ صَاحِبَ الْحَمَّامِ وَمَنْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إِزَارٍ (22) .
ب - اسْتِتَارُ الْمُغْتَسِل بِحُضُورِ الزَّوْجَةِ:
9 - مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ أَيْضًا: أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَغْتَسِل بِحُضُورِ الآْخَرِ، وَهُوَ بَادِي الْعَوْرَةِ (23) . لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِل أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ، يُقَال لَهُ: الْفَرَقُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
اسْتِتَارُ الْمُغْتَسِل مُنْفَرِدًا:
10 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يَغْتَسِل عُرْيَانًا (24) . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِل وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِل مَعَنَا إِلاَّ أَنَّهُ آدَرُّ - مَنْفُوخُ الْخُصْيَةِ - فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِل، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُول: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَ بَنُو إِسْرَائِيل إِلَى مُوسَى فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِل عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَل أَيُّوبُ يَحْتَشِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبَ أَلَمْ أَكُنْ
أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَال: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ. (25)
فَقَدْ قَصَّ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ دُونَ نَكِيرٍ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ؛ لأَِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ.
وَسُئِل الإِْمَامُ مَالِكٌ عَنِ الْغُسْل فِي الْفَضَاءِ، فَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ، فَقِيل: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ فِيهِ حَدِيثًا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَال تَعَجُّبًا: لاَ يَغْتَسِل الرَّجُل فِي الْفَضَاءِ؟ ! ، وَجْهُ إِجَازَةِ مَالِكٍ لِلرَّجُل أَنْ يَغْتَسِل فِي الْفَضَاءِ إِذَا أَمِنَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ أَحَدٌ، وَأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا قَرَّرَ وُجُوبَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ دُونَ سِوَاهُمْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، إِذْ لاَ يُفَارِقُهُ الْحَفَظَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهِ فِي حَالٍ مِنَ الأَْحْوَال، قَال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}}
. (26) وَقَال تَعَالَى: {{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}} (27) : وَلِهَذَا قَال مَالِكٌ تَعَجُّبًا: لاَ يَغْتَسِل الرَّجُل فِي الْفَضَاءِ، إِذْ لاَ فَرْقَ فِي حَقِّ الْمَلاَئِكَةِ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ (28) .
وَلَكِنْ هَذَا جَوَازٌ مَقْرُونٌ بِالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يَنْدُبُ لَهُ الاِسْتِتَارُ (29) . لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ غَيْرُهُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ فَإِنْ
كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَال: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ (30) .
وَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى وُجُوبِ الاِسْتِتَارِ حِينَ الْغُسْل، وَلَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ (31) .
مُسْتَدِلًّا بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِل بِالْبِرَازِ - أَيْ بِالْخَلاَءِ - فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَال: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَل أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ. (32)
اسْتِتَارُ الْمَرْأَةِ الْمُتَزَيِّنَةِ:
11 - يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الاِسْتِتَارُ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجِ وَالْمَحَارِمِ، بِسَتْرِ عَوْرَتِهَا وَعَدَمِ إِبْدَاءِ زِينَتِهَا (33) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ}} . (34) وَفِيمَا يَجِبُ سَتْرُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي سَتْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (تَزَيُّن) (وَعَوْرَةٌ) .
الاِسْتِتَارُ مِنْ عَمَل الْفَاحِشَةِ:
12 - مَنِ ابْتُلِيَ بِمَعْصِيَةٍ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَتِرَ بِذَلِكَ، وَلاَ يُجَاهِرَ بِفِعْلِهِ السَّيِّئِ، كَمَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَلِمَ بِفَاحِشَتِهِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ
وَيَنْصَحَهُ، وَيَمْنَعَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْوَسِيلَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُهَا.
13 - وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ يُنْدَبُ لَهُ السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلاَ يُعْلِمُ أَحَدًا، حَتَّى الْقَاضِيَ، بِفَاحِشَتِهِ لإِِقَامَةِ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِ (35) ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: كُل أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَل الرَّجُل بِاللَّيْل عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَقُول: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سَتْرَ اللَّهِ عَنْهُ. (36)
وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا مِنْ صَفْحَتِهِ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ. (37) وَقَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَوْ أَخَذْتُ شَارِبًا لأََحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ، وَلَوْ أَخَذْتُ سَارِقًا لأََحْبَبْتُ أَنْ يَسْتُرَهُ اللَّهُ (38) ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا الدَّرْدَاءِ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَغَيْرَهُمْ (39) ، قَدْ أُثِرَ عَنْهُمُ السَّتْرُ عَلَى مُعْتَرِفٍ بِالْمَعْصِيَةِ، أَوْ تَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ مِنْ إِقْرَارِهِ بِهَا، سَتْرًا عَلَيْهِ، وَسَتْرُ مُعْتَرِفِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ سَتْرِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَالْجَهْرُ بِالْمَعْصِيَةِ عَنْ جَهْلٍ، لَيْسَ كَالْجَهْرِ بِالْمَعْصِيَةِ تَبَجُّحًا. قَال ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنَّ مَنْ قَصَدَ
إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُجَاهَرَةَ بِهَا أَغْضَبَ رَبَّهُ (40) . وَقَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: وَأَمَّا التَّحَدُّثُ بِهَا تَفَكُّهًا فَحَرَامٌ قَطْعًا (41) .
أَثَرُ الاِسْتِتَارِ بِالْمَعْصِيَةِ:
14 - يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِسْتِتَارِ بِالْمَعْصِيَةِ:
أ - عَدَمُ إِقَامَةِ الْعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْعُقُوبَاتِ لاَ تَجِبُ إِلاَّ بَعْدَ إِثْبَاتِهَا. (ر: إِثْبَات) فَإِذَا اسْتَتَرَ بِهَا وَلَمْ يُعْلِنْهَا وَلَمْ يُقِرَّ بِهَا وَلَمْ يَنَلْهُ أَيُّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ، فَلاَ عُقُوبَةَ.
ب - عَدَمُ شُيُوعِ الْفَاحِشَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}} . (42)
ج - مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَاسْتَتَرَ بِهَا فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا، فَإِنْ تَابَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْمُؤَاخَذَةُ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ؛ لأَِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الأَْكْرَمِينَ، وَرَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَلِذَلِكَ إِذَا سَتَرَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَفْضَحْهُ فِي الآْخِرَةِ. وَإِنْ كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، كَقَتْلٍ وَقَذْفٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ فِيهَا أَدَاءَ هَذِهِ الْحُقُوقِ لأَِصْحَابِهَا، أَوْ عَفْوَ أَصْحَابِهَا عَنْهَا، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنِ اسْتَتَرَ بِالْمَعْصِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَقِّ آدَمِيٍّ أَنْ يُؤَدِّيَ هَذَا الْحَقَّ لِصَاحِبِهِ (43) . (ر: التَّوْبَة)
__________
(1) نهاية المحتاج 7 / 398، والقليوبي وعميرة 4 / 169، وجواهر الإكليل 2 / 265 و278، والمغني 8 / 153، وابن عابدين 1 / 31 ط بولاق الأولى.
(2) ابن عابدين 1 / 235، والبجيرمي على الخطيب 4 / 208
(3) المصباح المنير، والقاموس، ولسان العرب.
(4) الطحاوي على مراقي الفلاح ص 200، والدردير على خليل 1 / 244، والمغني 2 / 237
(5) حديث " ليستتر. . . " أخرجه الحاكم 1 / 252 ط دائرة المعارف العثمانية، وحكم عليه المناوي في فيض القدير بالإرسال 1 / 486 ط المكتبة التجارية الكبرى.
(6) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 200، والدردير على خليل 1 / 244، والمغني 2 / 237
(7) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب: التستر عند الجماع
(8) البحر الرائق 3 / 237 ط المطبعة العلمية، وفتاوى قاضي خان 3 / 408 ط 2 بولاق / 1310، والجيرمي على منهج الطلاب 3 / 436 ط مصطفى محمد، وروضة الطالبين 7 / 406 ط المكتب الإسلامي، ونهاية المحتاج 6 / 375 ط مصطفى البابي الحلبي 1357، وحاشية الشررواني على التحفة 6 / 500، والمغني لابن قدامة 8 / 135 ط المنار، ومنتهى الإرادات 2 / 229 ط دار الجيل، والشرح الكبير على متن الخرقي 8 / 143 ط المنار، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمتن خليل 4 / 46 - 47 ط بولاق 1306، وحاشية محمد بن المدني على كنون على شرح الزرقاني لمتن خليل 4 / 47
(9) نيل الأوطار 6 / 195، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوى ص 57، وحاشية ابن عابدين 5 / 234، والقليوبي 3 / 213، والبجيرمي على المنهج 3 / 316، والمغني والشرح الكبير 8 / 135، والقواعد الفقهية 294
(10) حديث " احفظ عورتك. . . " أخرجه أبو داود في الحمام، وابن ماجه في النكاح، والترمذي في الأدب، وأحمد بن حنبل 5 / 3.
(11) أخرجه الترمذي في الأدب.
(12) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح. باب التستر عند الجماع.
(13) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج شرح المنهاج 6 / 500
(14) الرهوني 4 / 46 - 47، والمغني 8 / 137
(15) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة 1 / 230
(16) حاشية الرهوني 4 / 46 - 47
(17) حاشيية الرهوني 4 / 46 - 47
(18) البحر الرائق 3 / 237، وشرح البجيرمي على منهج الطلاب 3 / 436 ط مصطفى محمد، ونهاية المحتاج 6 / 375 ط مصطفى البابي الحلبي 1357
(19) ابن عابدين 1 / 105 و 225، وحاشية الجمل 1 / 87، والخرشي على خليل 1 / 146، والمغني 1 / 231، وحديث " احفظ عورتك " أخرجه ابن ماجه 1 / 618 ط عيسى الحلبي، وأحمد 5 / 3 ط الميمنية، وحسنه ابن حجر في الفتح 1 / 386 ط السلفية.
(20) حديث: " احفظ عورتك. . . . . " تقدم تخريجه في فقرة (21)
(22) أخرج الحديث البخاري في الغسل، باب من اغتسل عريانا. فتح الباري 1 / 306 و308
(23) ابن عابدين 1 / 105 و 225، والمغني 1 / 233
(24) منح الجليل 1 / 87، والمجموع 2 / 275
(25) ابن أبي شيبة 1 / 19 مخطوط اسطنبول - متحف طول قبوسراي مكتبة مدينة برقم 333، 334، ونهاية المحتاج 1 / 214 ط المكتبة الإسلامية بالرياض، ومنتهى الإرادات 1 / 32 ط دار العروبة.
(26) المحلى 10 / 33، وفتاوى قاضي خان 3 / 407، ومغني المحتاج 1 / 75، والخرشي 3 / 4، والمغني 7 / 458، وفتح الباري 1 / 303 ط المطبعة البهية 1348
(27) مغني المحتاج 1 / 75، والمغني 1 / 231، وفتح الباري 1 / 307
(28) فتح الباري 1 / 307
(29) سورة ق 18.
(30) سورة الانفطار / 10، 11، 12
(31) حاشية الرهوني 1 / 226
(32) فتح الباري 1 / 386، ونيل الأوطار 1 / 253 ط المطبعة العثمانية 1357، ومغني المحتاج 1 / 75، وشرح الرهوني 1 / 226 ط 1 بولاق 1306، والمغني 1 / 231، والطحاوي على مراقي الفلاح ص 57
(33) تحفة المحتاج بشرح المنهاج 1 / 297، والحديث تقدم تخريجه في فقرة (34)
(35) فتح الباري 1 / 306، ونيل الأوطار 1 / 253
(36) أخرجه أبو داود في الحمام، والنسائي في الاغتسال باب الاستتار عند الاغتسال.
(37) تفسير الطبري 18 / 118، 119، وتفسير القرطبي 12 / 228
(38) سورة الأحزاب / 59
(39) فتح الباري 1 / 399، والفروع 3 / 264، ومنتهى الإرادات 2 / 460، ومغني المحتاج 4 / 150، وحاشية ابن عابدين 5 / 140
(40) فتح الباري 10 / 399
(41) أخرجه الحاكم والبيهقي، ومالك في الموطأ باب الحدود.
(42) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة 2 / 132
(43) مخطوط مصنف ابن أبي شيبة 2 / 123 و130
(44) فتح الباري 10 / 400
(45) مغني المحتاج 4 / 150
(46) فتح الباري 10 / 400، والآية من سورة النور / 19
(47) مغني المحتاج 4 / 150، وابن عابدين 5 / 140، وكفاية الطالب 2 / 255، والشرواني 4 / 434 - 435 ط 2 مصطفى البابي الحلبي سنة 1963 هـ.
التَّعْرِيفُ:
1 - مِنْ مَعَانِي التَّتَابُعِ فِي اللُّغَةِ: الْمُوَالاَةُ. يُقَال: تَابَعَ فُلاَنٌ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ: إِذَا وَالَى بَيْنَهُمَا، فَفَعَل هَذَا عَلَى أَثَرِ هَذَا بِلاَ مُهْلَةٍ بَيْنَهُمَا. وَتَتَابَعَتِ الأَْشْيَاءُ: تَبِعَ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَتَابَعَ بَيْنَ الأُْمُورِ مُتَابَعَةً وَتِبَاعًا: وَاتَرَ وَوَالَى. (1) وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
2 - التَّتَابُعُ يَكُونُ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ، وَيَكُونُ فِي الاِعْتِكَافِ، وَيَكُونُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَيُسَمَّى غَالِبًا (الْمُوَالاَةَ) وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهُ فِي (الْوُضُوءُ وَالْغُسْل) .
التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
3 - إِذَا لَمْ يَجِدِ الْحَانِثُ فِي يَمِينِهِ مَا يُكَفِّرُ بِهِ عَنْهَا، مِنْ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، أَوْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى
الصَّوْمِ، فَيَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {{لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}} . (2)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّتَابُعِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ، لِلْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لاِبْنِ مَسْعُودٍ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ (3)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - إِلَى جَوَازِ صَوْمِهَا مُتَتَابِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً. (4) ر: (كَفَّارَةُ الْيَمِينِ) .
التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ:
4 - يَأْتِي الصَّوْمُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}}
. (5)
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُظَاهِرُ مَا يُعْتِقُ كَمَا فِي الآْيَةِ الأُْولَى انْتَقَل إِلَى الصِّيَامِ، فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ كَمَا فِي صَدْرِ الآْيَةِ الثَّانِيَةِ، لَيْسَ فِيهِمَا رَمَضَانُ، وَيَوْمَا الْعِيدِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَذَلِكَ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا. فَإِنْ جَامَعَهَا فِي الشَّهْرَيْنِ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَقْبَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا}} .
وَبِهَذَا أَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ (6) ، وَالْمَالِكِيَّةُ (7) ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (8) فِي وُجُوبِ التَّتَابُعِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِذَا جَامَعَهَا لَيْلاً قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ يَأْثَمُ وَلاَ يَبْطُل التَّتَابُعُ. (9)
ر: (كَفَّارَةُ الظِّهَارِ) .
التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ:
5 - تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِاتِّفَاقٍ.
وَتَجِبُ بِالأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ عَمْدًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْكَفَّارَةُ تَكُونُ بِالْعِتْقِ أَوِ الصَّوْمِ أَوِ الإِْطْعَامِ.
وَتَأْتِي مَرْتَبَةُ الصَّوْمِ بَعْدَ الْعِتْقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالإِْطْعَامِ وَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. (10)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَفَّارَتُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُمْ فَضَّلُوا الإِْطْعَامَ عَلَى الْعِتْقِ فَجَعَلُوهُ أَوَّلاً، لأَِنَّهُ أَكْثَرُ نَفْعًا لِتَعَدِّيهِ لأَِفْرَادٍ كَثِيرَةٍ، وَفَضَّلُوا الْعِتْقَ عَلَى الصَّوْمِ؛ لأَِنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ لِلْغَيْرِ دُونَ الصَّوْمِ، فَالصَّوْمُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، فَإِنَّ صَوْمَ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ.؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: هَلَكْتُ، قَال: مَا لَكَ؟ قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هَل تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَال: لاَ.، قَال: فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَال: لاَ، قَال: فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَال: لاَ، قَال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ
فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعِرْقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعِرْقُ: الْمِكْتَل - قَال: أَيْنَ السَّائِل؟ فَقَال: أَنَا.، قَال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ.، فَقَال الرَّجُل: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْل بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْل بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَال: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. (11)
الصَّوْمُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْل:
6 - يَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْعِتْقِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {{وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا}} إِلَى قَوْله تَعَالَى: {{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}} (12) فَالتَّتَابُعُ فِي صِيَامِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا. (13)
ر: (كَفَّارَةُ الْقَتْل) .
التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ النَّذْرِ:
7 - إِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ، وَشَرَطَ التَّتَابُعَ لَزِمَهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُعَيَّنًا كَرَجَبٍ، أَوْ سَنَةً مُعَيَّنَةً، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي صِيَامِهَا كَذَلِكَ.
أَمَّا لَوْ نَذَرَ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّتَابُعَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَذَلِكَ فِيمَنْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: يَصُومُهَا مُتَتَابِعَةً. (14)
وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل مُصْطَلَحَ: (نَذْرٌ) .
التَّتَابُعُ فِي الاِعْتِكَافِ:
8 - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ، بِأَنْ قَال: عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَثَلاً، لَزِمَهُ اعْتِكَافُهَا بِلَيَالِيِهَا مُتَتَابِعَةً، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطِ التَّتَابُعَ؛ لأَِنَّ مَبْنَى الاِعْتِكَافِ عَلَى التَّتَابُعِ.
وَكَذَا لَوْ قَال: شَهْرًا، وَلَمْ يَنْوِهِ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، يَفْتَتِحُهُ مَتَى شَاءَ بِالْعَدَدِ، لاَ
هِلاَلِيًّا، وَإِنْ عَيَّنَ شَهْرًا يُعْتَبَرُ الشَّهْرُ بِالْهِلاَل، وَإِنْ فَرَّقَ الاِعْتِكَافَ اسْتَأْنَفَهُ مُتَتَابِعًا. وَقَال زُفَرُ فِي نَذْرِ اعْتِكَافِ شَهْرٍ: إِنْ شَاءَ فَرَّقَ الاِعْتِكَافَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَهُ. وَإِنْ نَوَى الأَْيَّامَ خَاصَّةً أَيْ دُونَ اللَّيْل صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْيَوْمِ بَيَاضُ النَّهَارِ. (15)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ، يَلْزَمُ تَتَابُعُ الاِعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فِيمَا إِذَا كَانَ مُطْلَقًا، أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِتَتَابُعٍ وَلاَ عَدَمِهِ. وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوْ ثَلاَثِينَ يَوْمًا فَلاَ يُفَرِّقُ ذَلِكَ. وَهَذَا بِخِلاَفِ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا أَوْ أَيَّامًا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي ذَلِكَ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الصَّوْمَ إِنَّمَا يُؤَدَّى فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْل فَكَيْفَمَا فَعَل أَصَابَ، مُتَتَابِعًا أَوْ مُفَرَّقًا. وَالاِعْتِكَافُ يَسْتَغْرِقُ الزَّمَانَيْنِ اللَّيْل وَالنَّهَارَ، فَكَانَ حُكْمُهُ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ: الَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ فِي التَّتَابُعِ لَفْظًا، وَلَمْ يَحْصُل فِيهِ نِيَّةُ التَّتَابُعِ، وَلاَ نِيَّةُ عَدَمِهِ. فَإِنْ حَصَل فِيهِ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عُمِل بِهَا. وَيَلْزَمُ الْمُعْتَكِفَ مَا نَوَاهُ مِنْ تَتَابُعٍ أَوْ تَفْرِيقٍ وَقْتَ الشُّرُوعِ، وَهُوَ حِينَ دُخُولِهِ فِيهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ بِنِيَّتِهِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لاَ تُوجِبُ شَيْئًا. (16)
وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا
فَإِنْ عَيَّنَ شَهْرًا لَزِمَهُ اعْتِكَافُهُ مُتَتَابِعًا لَيْلاً وَنَهَارًا، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْهِلاَلَيْنِ، تَمَّ أَوْ نَقَصَ.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ نَهَارِ الشَّهْرِ لَزِمَهُ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْل، لأَِنَّهُ خَصَّ النَّهَارَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الاِعْتِكَافُ بِاللَّيْل، فَإِنْ فَاتَهُ الشَّهْرُ وَلَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا؛ لأَِنَّ التَّتَابُعَ فِي أَدَائِهِ بِحُكْمِ الْوَقْتِ، فَإِذَا فَاتَ سَقَطَ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ. وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُتَتَابِعًا لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ مُتَتَابِعًا؛ لأَِنَّ التَّتَابُعَ هُنَا بِحُكْمِ النَّذْرِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَاعْتَكَفَ شَهْرًا بِالأَْهِلَّةِ أَجْزَأَهُ، تَمَّ الشَّهْرُ أَوْ نَقَصَ؛ لأَِنَّ اسْمَ الشَّهْرِ يَقَعُ عَلَيْهِ، وَإِنِ اعْتَكَفَ شَهْرًا بِالْعَدَدِ لَزِمَهُ ثَلاَثُونَ يَوْمًا؛ لأَِنَّ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ ثَلاَثُونَ يَوْمًا. فَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا، لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى (17) وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُتَفَرِّقًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا؛ لأَِنَّ الْمُتَتَابِعَ أَفْضَل مِنَ الْمُتَفَرِّقِ، وَإِنْ أَطْلَقَ النَّذْرَ جَازَ مُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ. (18)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ
اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ يَصُومُهَا فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الاِسْتِئْنَافُ، لإِِخْلاَلِهِ بِالإِْتْيَانِ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ. (19)
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالأَْهِلَّةِ أَوْ ثَلاَثُونَ يَوْمًا، وَالتَّتَابُعُ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لاَ يَلْزَمُهُ،
وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ، وَقَال الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ قَوْلاً وَاحِدًا، لأَِنَّهُ مَعْنًى يَحْصُل فِي اللَّيْل وَالنَّهَارِ، فَإِذَا أَطْلَقَهُ اقْتَضَى التَّتَابُعَ. (20) ر: (اعْتِكَافٌ) .
مَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَاتِ:
يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ بِأُمُورٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ وَهِيَ:
أ - الْفِطْرُ بِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِمَا:
9 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الإِْفْطَارَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، بِاسْتِثْنَاءِ عُذْرِ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُذْرِ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ يَتَنَاوَل الإِْكْرَاهَ. وَأَمَّا لَوْ أَكَل نَاسِيًا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ. (21)
وَلاَ يُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ صِيَامُ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا بِغَيْرِ اعْتِبَارِ الأَْهِلَّةِ، أَمَّا إِذَا صَامَ شَهْرَيْنِ بِاعْتِبَارِ الأَْهِلَّةِ، فَإِنَّ صَوْمَهُ يَصِحُّ حَتَّى وَلَوْ كَانَ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا. (22)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْفِطْرَ بِالإِْكْرَاهِ بِمُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَلاَ يَقْطَعُهُ أَيْضًا فِطْرُ مَنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْل، أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ بِخِلاَفِ الشَّكِّ فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهُ، وَكَذَا لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عِنْدَهُمْ فِطْرُ مَنْ صَامَ تِسْعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ظَانًّا الْكَمَال. (23)
وَلاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عِنْدَهُمُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ نَاسِيًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلاَ يَقْطَعُهُ جِمَاعُ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا نَهَارًا نِسْيَانًا، أَوْ لَيْلاً وَلَوْ عَمْدًا. (24)
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى الأَْكْل يُبْطِل التَّتَابُعَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَيْهِ يُبْطِل الصَّوْمَ عَلَى الْقَوْل بِهِ، لأَِنَّهُ سَبَبٌ نَادِرٌ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الصُّورَتَيْنِ، كَمَا جَاءَ فِي الرَّوْضَةِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ كَالْمَرَضِ، وَكَذَا إِذَا اسْتَنْشَقَ فَوَصَل الْمَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلاَفُ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ يُفْطِرُ، وَقَال النَّوَوِيُّ: لَوْ أُوجِرَ الطَّعَامَ مُكْرَهًا لَمْ
يُفْطِرْ وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ، قَطَعَ بِهِ الأَْصْحَابُ فِي كُل الطُّرُقِ. (25)
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ التَّتَابُعَ لاَ يُقْطَعُ بِالْفِطْرِ بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ أَوِ الْخَطَأِ أَوِ النِّسْيَانِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (26) لاَ إِنْ أَفْطَرَ لِجَهْلٍ فَإِنَّهُ لاَ يُعْذَرُ بِهِ، وَأَمَّا الَّذِي أَفْطَرَ خَطَأً كَمَنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْل أَوِ الْغُرُوبَ فَبَانَ خِلاَفُهُ فَلاَ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ صِيَامِهِ، وَأَمَّا الَّذِي أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ فَبَانَ خِلاَفُهُ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُ صِيَامِهِ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَاجِبَ شَهْرٌ وَاحِدٌ فَأَفْطَرَ، أَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ، أَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ انْقَطَعَ تَتَابُعُ صِيَامِهِ لِقَطْعِهِ إِيَّاهُ، وَلاَ يُعْذَرُ بِالْجَهْل. (27)
ب - الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ:
10 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي الْكَفَّارَةِ الَّتِي تُوجِبُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ عَلَى الْمَرْأَةِ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْل، لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهُ فِيهِمَا،
وَلأَِنَّهَا لاَ يَدَ لَهَا فِيهِ، وَلأَِنَّهُ يُنَافِي الصَّوْمَ، وَفِي تَأْخِيرِ التَّكْفِيرِ إِلَى سِنِّ الْيَأْسِ خَطَرٌ، إِلاَّ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَال: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي الطُّهْرِ تَسَعُ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فَصَامَتْ فِي غَيْرِهَا، أَيْ فِي وَقْتٍ يَحْدُثُ فِيهِ الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ. (28)
وَأَمَّا تَتَابُعُ صَوْمِ أَيَّامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْحَيْضَ يَقْطَعُهُ، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِيهَا كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ تَتَابُعِهَا، لِقِلَّةِ أَيَّامِهَا، بِخِلاَفِ الشَّهْرَيْنِ. (29)
هَذَا، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: أَنَّنَا إِذَا أَوْجَبْنَا التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَحَاضَتْ فِي أَثْنَائِهَا، فَفِي انْقِطَاعِ تَتَابُعِهَا الْقَوْلاَنِ فِي الْفِطْرِ بِالْمَرَضِ فِي الشَّهْرَيْنِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَرِيقٌ جَازِمٌ بِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ. (30)
11 - أَمَّا النِّفَاسُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَى مُقَابِل الصَّحِيحِ
الَّذِي حَكَاهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ لِنُدْرَتِهِ، وَلإِِمْكَانِهَا اخْتِيَارَ شَهْرَيْنِ خَالِيَيْنِ مِنْهُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ النِّفَاسَ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، قِيَاسًا عَلَى الْحَيْضِ، وَلأَِنَّهَا لاَ يَدَ لَهَا فِيهِ. (31)
ج - دُخُول رَمَضَانَ وَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
12 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ دُخُول شَهْرِ رَمَضَانَ وَعِيدِ الْفِطْرِ أَوْ عِيدِ الأَْضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَقْطَعُ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ لِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَحُرْمَةِ صَوْمِ الْبَاقِي، وَلأَِنَّ فِي اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يَجِدَ شَهْرَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ، وَهَذَا أَيْضًا هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي صَوْمِ غَيْرِ الأَْسِيرِ. وَأَمَّا الأَْسِيرُ إِذَا صَامَ بِاجْتِهَادِهِ، فَدَخَل عَلَيْهِ رَمَضَانُ أَوِ الْعِيدُ قَبْل تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ، فَفِي انْقِطَاعِ تَتَابُعِهِ الْخِلاَفُ فِي انْقِطَاعِهِ بِإِفْطَارِ الْمَرِيضِ. (32)
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَذَكَرُوا: أَنَّ تَعَمُّدَ فِطْرِ يَوْمِ الْعِيدِ يَقْطَعُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، كَمَا إِذَا تَعَمَّدَ صَوْمَ ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِدُخُول الْعِيدِ فِي أَثْنَائِهِ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا
جَهِلَهُ فَإِنَّهُ لاَ يَقْطَعُ، كَمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّ شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ هُوَ الْمُحَرَّمُ، فَصَامَهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ ظَانًّا أَنَّهُ صَفَرٌ، فَبَانَ خِلاَفُهُ.
وَجَهْل دُخُول رَمَضَانَ عِنْدَهُمْ كَجَهْل الْعِيدِ عَلَى الأَْرْجَحِ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ، وَالْمُرَادُ بِجَهْل الْعِيدِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ: جَهْلُهُ فِي كَوْنِهِ يَأْتِي فِي الْكَفَّارَةِ، لاَ جَهْل حُكْمِهِ، خِلاَفًا لأَِبِي الْحَسَنِ، حَيْثُ ذُكِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَهْل جَهْل الْحُكْمِ وَهُوَ أَظْهَرُ. وَمِثْل الْعِيدِ عِنْدَهُمُ الْيَوْمَانِ بَعْدَهُ. وَأَمَّا ثَالِثُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ صَوْمَهُ يُجْزِئُ، وَفِطْرُهُ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ اتِّفَاقًا، كَمَا جَاءَ فِي الْخَرَشِيِّ (33) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ لاَ يَقْطَعُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، لِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ، وَلأَِنَّ فِطْرَ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَاجِبٌ أَيْضًا بِإِيجَابِ الشَّرْعِ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْ صَوْمِهِ كَاللَّيْل (34) .
د - السَّفَرُ:
13 - السَّفَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَقْطَعُ التَّتَابُعَ إِنْ أَفْطَرَ فِيهِ؛ لأَِنَّ
الإِْفْطَارَ عِنْدَهُمْ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَقْطَعُهُ. (35)
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ كَالْمَرَضِ. (36) وَالسَّفَرُ الَّذِي يُبَاحُ فِيهِ الْفِطْرُ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (37)
هـ - فِطْرُ الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ:
14 - فِطْرُ الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي الرَّوْضَةِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ. قِيل: هُوَ كَالْمَرَضِ، وَقِيل: يَقْطَعُ قَطْعًا، لأَِنَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ فِطْرَ الْحَامِل وَالْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، لأَِنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ عَنْ غَيْرِ جِهَتِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ. (38)
وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ - مِنْ أَنَّ الْفِطْرَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ - وَالْمَالِكِيَّةُ - مِنَ الْقَوْل بِقَطْعِهِ بِكُل فِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ، كَالسَّفَرِ مَثَلاً - مُقْتَضَاهُ قَطْعُ التَّتَابُعِ بِفِطْرِهِمَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا. (39)
و - الْمَرَضُ:
15 - الْمَرَضُ يَقْطَعُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، وَهُوَ الْجَدِيدُ، لأَِنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْفِطْرِ بِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي قَطْعِ التَّتَابُعِ، بِاسْتِثْنَاءِ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ، وَلأَِنَّ الْمَرَضَ كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ لاَ يُنَافِي الصَّوْمَ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ. (40)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْمَرَضَ لاَ يَقْطَعُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَصْل وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَهُوَ يَسْقُطُ بِالْمَرَضِ. وَهَذَا أَيْضًا هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ غَيْرَ مَخُوفٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَدَ لَهُ فِيهِ كَالْحَيْضِ، وَمِثْلُهُ الْجُنُونُ وَالإِْغْمَاءُ. (41)
ز - نِسْيَانُ النِّيَّةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي:
16 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ نِسْيَانَ النِّيَّةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَتَرْكِهَا عَمْدًا، وَلاَ يُجْعَل النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ اشْتِرَاطِهَا فِي كُل لَيْلَةٍ، عَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. أَمَّا لَوْ صَامَ أَيَّامًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ،
ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ، هَل نَوَى فِيهِ أَمْ لاَ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ الاِسْتِئْنَافُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ، وَلاَ أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيَوْمِ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي مَسَائِل الْمُتَحَيِّرَةِ. (42)
ح - الْوَطْءُ:
17 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا وَطِئَ مَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا فِي النَّهَارِ عَامِدًا، فَإِنَّ فِعْلَهُ هَذَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَأَمَّا إِذَا وَطِئَهَا فِي اللَّيْل عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، أَوْ وَطِئَهَا فِي النَّهَارِ نَاسِيًا، فَفِيهِ الْخِلاَفُ.
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا بِاللَّيْل عَامِدًا أَوْ بِالنَّهَارِ نَاسِيًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ فِي الصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا مِنَ الْمَسِيسِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّ التَّتَابُعَ لاَ يَقْطَعُ بِذَلِكَ إِذْ لاَ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شَرْطًا، فَإِنَّ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ تَقْدِيمَ الْبَعْضِ، وَفِيمَا قُلْتُمْ تَأْخِيرُ الْكُل عَنْهُ. (43)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَطْءَ الْمُظَاهِرِ
مِنْهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ بِاللَّيْل أَمْ بِالنَّهَارِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا أَوْ نَاسِيًا أَمْ جَاهِلاً أَمْ غَالِطًا، أَوْ بِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَسَفَرٍ، (44) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا}} . (45)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَطْأَهُ بِاللَّيْل لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَيُعْتَبَرُ عَاصِيًا. (46)
هَذَا، وَوَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا فِي النَّهَارِ عَامِدًا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَطِئَهَا بِاللَّيْل عَامِدًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ بِالنَّهَارِ نَاسِيًا فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ.
وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ وَطِئَهَا بِسَبَبِ عُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ. (47)
ط - قَضَاءُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ التَّتَابُعُ:
18 - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ يَقْطَعُهُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ الأَْيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا فِي صِيَامِهِ، وَاَلَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهَا مُتَّصِلَةً بِصِيَامِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ
قَضَاءَهَا انْقَطَعَ تَتَابُعُ الصَّوْمِ. وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِمَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ أَثْنَاءَهُ فَلَمْ يَغْسِلْهُ، أَيْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حِينَ تَذَكُّرِهِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّهَارَةَ، نَسِيَ ذَلِكَ أَمْ تَعَمَّدَهُ. بِخِلاَفِ نِسْيَانِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ تَذَكُّرِهَا قَبْل الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ لاَ يُؤَثِّرُ لِخِفَّتِهَا. (48) وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
__________
(1) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " تبع ".
(2) سورة المائدة / 89.
(3) ابن عابدين 3 / 60 - 62، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 142، والمغني لابن قدامة 8 / 734، 752.
(4) الشرح الكبير 2 / 132 - 133، والمدونة الكبرى للإمام مالك 2 / 122.
(5) سورة المجادلة / 3، 4.
(6) الاختيار شرح المختار 2 / 223 - 225 ط مصطفى الحلبي 1936 م.
(7) الشرح الكبير 2 / 447، 450 - 451.
(8) المغني لابن قدامة 7 / 359 - 365، 367، م الرياض الحديثة.
(9) المهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 116 - 118.
(10) حديث: " أن رجلا أفطر في رمضان. . " أخرجه مسلم (2 / 783 - ط الحلبي) .
(11) ابن عابدين 2 / 109، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 191، والمغني لابن قدامة 3 / 127 - 128، والشرح الكبير 1 / 530 وحديث أبي هريرة: " بينما نحن جلوس. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 163 ط السلفية) ، ومسلم (2 / 781 - 782 ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(12) سورة النساء / 92.
(13) ابن عابدين 5 / 368، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 218، وجواهر الإكليل 2 / 272، والمغني لابن قدامة 8 / 97.
(14) ابن عابدين 3 / 71، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 252، وجواهر الإكليل 1 / 148، والتاج والإكليل بهامش الحطاب 2 / 451، ومطالب أولي النهى 6 / 431، والمغني لابن قدامة 9 / 27 ط الرياض.
(15) فتح القدير 2 / 114 - 115 ط صادر.
(16) الخرشي على مختصر خليل 2 / 271 - 272.
(17) حديث: " من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى " أورده الزيلعي في نصب الراية (3 / 300 - ط دار المأمون بمصر) . وقال: غريب.
(18) المهذب في فقه الإمام الشافعي 1 / 198.
(19) كشاف القناع عن متن الإقناع 2 / 349 م النصر الحديثة.
(20) المغني لابن قدامة 3 / 212.
(21) فتح القدير مع العناية 3 / 240 ط. الأميرية، والفتاوى الهندية 1 / 512 ط المكتبة الإسلامية.
(22) العناية بهامش فتح القدير 3 / 239 ط. الأميرية.
(23) جواهر الإكليل 1 / 377 ط. دار المعرفة، والخرشي 4 / 118 ط دار صادر.
(24) جواهر الإكليل 1 / 377 ط. دار المعرفة، والدسوقي 2 / 451.
(25) روضة الطالبين 8 / 353 ط. المكتب الإسلامي.
(26) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه الحاكم (2 / 198 - ط دائرة المعارف العثمانية) وحسنه النووي كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص 230 - نشر دار الكتب العلمية) .
(27) كشاف القناع 5 / 384 ط. النصر، والإنصاف 9 / 226 ط التراث.
(28) تبيين الحقائق 3 / 10 ط. دار المعرفة، وجواهر الإكليل 1 / 377 ط. دار المعرفة، وروضة الطالبين 8 / 302 ط المكتب الإسلامي، وحاشية قليوبي 4 / 26 ط. الحلبي، وكشاف القناع 5 / 384 ط النصر.
(29) تبيين الحقائق 3 / 10 ط. دار المعرفة، والمهذب 2 / 142 - 143 ط. دار المعرفة.
(30) روضة الطالبين 8 / 304 ط. المكتب الإسلامي.
(31) تبيين الحقائق 3 / 10 ط دار المعرفة، والزرقاني 4 / 81 ط. الفكر، وروضة الطالبين 8 / 302 ط. المكتب الإسلامي، وكشاف القناع 5 / 384 ط. النصر.
(32) تبيين الحقائق 3 / 10 ط. دار المعرفة، وفتح القدير 3 / 239 ط الأميرية، وروضة الطالبين 8 / 303 المكتب الإسلامي.
(33) الخرشي 4 / 118 ط. دار صادر، وجواهر الإكليل 1 / 377 - 378 ط. دار المعرفة.
(34) كشاف القناع 5 / 384 ط. النصر، والإنصاف 9 / 224 ط. التراث.
(35) فتح القدير مع العناية 3 / 240 ط. الأميرية، والفتاوى الهندية 1 / 512 ط. المكتبة الإسلامية، والخرشي 4 / 118 ط. دار صادر. وجواهر الإكليل 1 / 377 ط. دار المعرفة.
(36) روضة الطالبين 8 / 302 ط المكتب الإسلامي.
(37) كشاف القناع 5 / 384 ط النصر.
(38) روضة الطالبين 8 / 302. المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج 3 / 365 ط. الحلبي. وكشاف القناع 5 / 384 ط النصر.
(39) فتح القدير مع العناية 7 / 240 ط. الأميرية، والخرشي 4 / 118 ط. دار صادر، وجواهر الإكليل 1 / 377 ط. دار المعرفة.
(40) فتح القدير مع العناية 2 / 240 ط الأميرية، وروضة الطالبين 8 / 302 ط. المكتب الإسلامي.
(41) نهاية المحتاج 7 / 95 ط. المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع 5 / 374 ط. النصر.
(42) روضة الطالب 8 / 302 - 303 ط المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج 3 / 365 ط. الحلبي.
(43) تبيين الحقائق 3 / 10 ط دار المعرفة، وفتح القدير 3 / 239 - 240 ط. الأميرية، وحاشية ابن عابدين 2 / 582 ط المصرية.
(44) الخرشي 4 / 117 - 118 ط. دار صادر " وكشاف القناع 5 / 384 ط النصر.
(45) سورة المجادلة / 3.
(46) روضة الطالبين 8 / 302 ط. المكتب الإسلامي، ومغني المحتاج 3 / 366 ط. الحلبي.
(47) العناية 3 / 239 ط الأميرية، والخرشي 4 / 117 - 118 ط دار صادر، وكشاف القناع 5 / 384 ط النصر.
(48) الخرشي 4 / 119 ط. دار صادر، وجواهر الإكليل 1 / 378 ط. دار المعرفة.
* المصلي له سكتتان:
إحداهما: بعد تكبيرة الإحرام من أجل دعاء الاستفتاح.
الثانية: عقب الفراغ من القراءة كلها قبل الركوع بقدر ما يتراد إليه نفسه.
* أدعية الاستفتاح ثلاثة أنواع:
أعلاها ما كان ثناء على الله كـ ((سبحانك اللهم ... ))، ويليه ما كان خبراً من العبد عن عبادة الله كـ ((وجهت وجهي ... ))، ثم ما كان دعاء من العبد كـ ((اللهم باعد ... )).
* يحرم تأخير الصلاة المفروضة عن وقتها إلا لناوي الجمع، أو في شدة خوف، أو مرض ونحو ذلك، ويحرم على المصلي أثناء الصلاة أن يرفع بصره إلى السماء.

الفصل الأول التتابع والتراخي في القضاء

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الأول التتابع في القضاء

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المبحث الأول: التتابع في القضاء
لا يجب التتابع في قضاء رمضان (¬1)، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية (¬2)، والمالكية (¬3)، والشافعية (¬4)، والحنابلة (¬5)، وعليه أكثر أهل العلم (¬6).
الدليل:
عموم قوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184].
وجه الدلالة:
أن الله تعالى أطلق القضاء ولم يقيده.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا بأس أن يفرق)). أخرجه البخاري معلقاً (¬7).
¬_________
(¬1) وذلك لأنه صومٌ لا يتعلق بزمانٍ بعينه، فلم يجب فيه التتابع كالنذر المطلق.
(¬2) ((البحر الرائق لابن نجيم)) (2/ 307)، ((حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح)) (ص425).
(¬3) ((أحكام القرآن لابن العربي)) (1/ 147) ((الذخيرة للقرافي)) (2/ 523).
(¬4) ((روضة الطالبين للنووي)) (2/ 371)، ((نهاية المحتاج للرملي)) (3/ 187).
(¬5) ((المغني لابن قدامة)) (3/ 43)، ((الفروع لابن مفلح)) (5/ 61).
(¬6) قال ابن قدامة: (وهو قول ابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن محيريز وأبي قلابة ومجاهد وأهل المدينة والحسن وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق) ((المغني)) (3/ 43).
(¬7) رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم قبل حديث (1950)، ووصله ابن حجر في ((تغليق التعليق)) (3/ 186 - 187).
8 - التتار
التتار أو التتر: هم أمة من الجنس الأصفر بلادها ممتدة من الجنوب الشرقى لروسيا إلى غربها وهى شعوب متميزة منهم: (الياقوتية، والجيرجيزية، والساموية)، والترك العثمانيون، (1) وكثير من المؤرخين لم يميزوا بين التتار والمغول حينما تناولوا الغزو على الدولة العباسية على اعتبار أنهما مشتركين فى الغزو تحت قيادة واحدة، وبينهما قرابة واضحة فى الجنس ومن المعلوم أنهم قبائل مختلفة لكل منهم حدوده الجغرافية.

وأشهر طوائف هذا الشعب تتر كنشاه، وكان الروس تحت حكمهم قبل القرن العاشر الميلادى، وتتر استراخان، وتتر القرم، وتتر القازان، وتتر ارنبورغ، وتتر سيبيريا.

وعَرَفَ التاريخ الإسلامى التتار بصورة شرسة فى القرن السابع الهجرى الثالث عشر الميلادى، فقد اجتاحت موجة من الغزو المغولى والتترى أواسط آسيا، واستمرت فى مسيرها غرباً حتى اقتربت من حدود الدولة العباسية التى كانت فى نزعها الأخير. وكانت الغارة التتارية الأولى على البلاد الإسلامية بقيادة "جنكيزخان " الذى كان نائب " الخان الأعظم "سنة 616 هـ، وأصيبت الدولة الخوارزمية الإسلامية من جراء غارته بخسارة فادحة وتدمير كبير، فى عهد ملكها خوارزم شاه.

وزحفت جيوش التتار بقيادة "هولاكو" وقصدت قصر بغداد سنة 656 هـ، فلم تقو الحاضرة العربية الكبرى على الثبات أمام ذلك السيل الجارف، وسقطت فى يد التتار، بعد ما كان من حوادث فظيعة، وأفعال شنيعة، لم ينج منها صغير ولا كبير، ولا سوقة ولا أمير، ومن نجا من القتل لم ينج من الحرق أو الغرق. حقى الكتب فقد ذكر أن مكتبة بغداد قد ألقيت فى نهر دجلة حتى قيل: إن الخيول قد عبرت عليها.

ولم تمض على غزوة التتار المخربة وسقوط بغداد أكثر من سنة واحدة حتى كانت جيوش التتار منحدرة كالسيل الجارف متجهة بغزوها نحو مصر إلا أن قبائل العرب وبطونهم تجمعت بمصر وصاروا يدا واحدة مع الملك المظفر "قطز" للقاء التتار. وكان اللقاء فى "عين جالوت " ثم "بيسان " فانتصر عليهم.

وفى أوائل القرن الثامن الهجرى حدث بين التتار حادث عظيم، وتطور جديد جعلهم يعتنقون الإسلام ويتركون الوثنية، وأول من جعل الإسلام دين التتر هو الملك غازان بن أرغون حفيد هولاكو.

وفى العصر الحديث أجمع بعض المؤرخين على أن أهم الصفات التى تمييز هذا الشعب عامة: السماحة، وقد وصفهم "البارون ماكستوزن " بصفات تكاد تكون شعرية محضة حيث قال: التترى مسلم غيور متمسك بدينه، ولكنه على جانب كبير من التسامح بالنسبة لمن يتدين بغير دينه، فهو نزيه من آثار الحقد المذهبى.

(هيئة التحرير)
1 - دائرة معارف القرن العشرين- محمد فريد وجدى 2/ 538، طبعة دار المعرفة، بيروت الطبعة الثالثة 1971م.
__________
المرجع
1 - صراع العرب خلال العصور، محمد عبد الغنى حسن، طبعة مؤسسة المطبوعات الحديثة سلسلة (مع العرب) عدد 2 القاهرة.
2 - نهر التاريخ الإسلامى، د. إبراهيم العدوى، طبعة دار الفكر العربى القاهرة.
3 - تاريخ الإسلام، أحمد شاكر، طبعة دار الفكر العربى.
4 - موسوعة التاريخ الإسلامى، أحمد شلبى، طبعة مكتبة النهضة المصرية- القاهرة.

المستعصم عبد الله بن المستنصر بالله [ قتيل التتار ] 640 هـ ـ 659هـ

تاريخ الخلفاء للسيوطي

المستعصم عبد الله بن المستنصر بالله [ قتيل التتار ] 640 هـ ـ 659ه

المستعصم بالله : أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله آخر الخلفاء العراقيين

ولد سنة تسع و ستمائة و أمه أم ولد اسمها هاجر و بويع له بالخلافة عند موت أبيه أجاز على يد ابن النجار المؤيد الطوسي و أبو روح الهروي و جماعة و روى عنه بالإجازة جماعة : منهم النجم البادرائي و الشرف الدمياطي و خرج له الدمياطي أربعين حديثا رأيتها بخطه و كان كريما حليما سليم الباطن حسن الديانة

قال الشيخ قطب الدين : كان متدينا متمسكا بالسنة كأبيه و جده و لكنه لم يكن مثلهما في التيقظ و الحزم و علو الهمة و كان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة و الشهامة و كان يقول : إن ملكني الله الأمر لأعبرن بالجيوش نهر جيحون و أنتزع البلاد من التيار و أستأصلهم فلما توفي المستنصر لم ير الدوايدار و الشرابي و الكبار تقليد الخفاجي الأمر و خافوا منه و آثروا المسشتعصم للينه و انقياده ليكون لهم الأمر فأقاموه ثم ركن المستعصم إلى وزيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي فأهلك الحرث و النسل و لعب بالخليفة كيف أراد و باطن التتار و ناصحهم و أطمعهم في المجيء إلى العراق و أخذ بغداد و قطع الدولة العباسية ليقيم خليفة من آل علي و صار إذا جاء خبر منهم كنمه عن الخليفة و يطالع بأخبار الخليفة التيار إلى أن حصل ما حصل

و في سنة سبع و أربعين من أيامه أخذت الفرنج دمياط و السلطان الملك صالح مريض فمات ليلة نصف شعبان فأخفت جاريته أم خليل المسماة [ شجرة الدر ] موته و أرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم فحضر ثم لم يلبث أن قتل في المحرم سنة ثمان و أربعين و ستمائة و ثب عليه غلمان أبيه فقتلوه و أمروا عليهم جارية أبيه [ شجرة الدر ] و حلف لها الأتراك و لنائبها عزالدين أيبك التركماني فشرعت [ شجرة الدر ] في الخلع للأمراء و الأعطيات

ثم استقل عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر و لقب [ الملك المعز ] ثم تنصل منها و حلف العسكر للملك الأشراف بن صلاح الدين يوسف بن مسعود بن الكامل و له ثمان سنين و بقي عز الدين أتابكه و خطب لهما و ضربت السكة باسمها

و في هذه السنة ـ أعني سنة ثمان ـ أستردت دمياط من الفرنج

و في سنة اثنتين و خمسين و ستمائة ظهرت نار في أرض عدن و كان يطير شررها في الليل إلى البحر و يصعد منها دخان عظيم في النهار

و فيها أبطل المعز اسم الملك الأشرف و استقل بالسلطنة

و في سنة أربع و خمسين ظهرت النار بالمدينة النبوية

قال أبو شامة : جاءنا كتب من المدينة فيها : لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دوي عظيم ثم زلزلة عظيمة فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر فظهرت نار غظيمة في الحرة قريبا من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا و سالت أودية منها إلى وادي شطا سيل الماء و طلعنا نبصرها فإذا الجبال و طار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوؤها من مكة و من الفلاة جميعها و اجتمع الناس كلهم إلى القبر الشريف مستغفرين تائبين و استمرت هكذا أكثر من شهر

قال الذهبي : أمر هذه النار متواتر و هي مما أخبر به المصطفى صلى الله عليه و سلم حيث قال : [ لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى ] و قد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل و رأى أعناق الإبل في ضوئها

و في سنة خمس و خمسين و ستمائة مات المعز أيبك سلطان مصر قتلته زوجته [ شجرة الدر ] و سلطنوا بعده ولده الملك المنصور على هذا و التتار جائلون في البلاد و شرهم متزايد و نارهم تستعر و الخليفة في غفلة عما يراد بهم و الوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية و نقلها إلى العلوية و الرسل في السر بينه و بين التتار و المستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور و لا له غرض في المصلحة

و كان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدا و كان مع ذلك يصانع التتار و يهاودنهم و يرضيهم فلما استخلف المستعصم كان خليا من الرأي و التدبير فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند و أن مصانعة التتار و إكرامهم يحصل به المقصود ففعل ذلك

ثم إن الوزير كاتب التتار و أطمعهم في البلاد و سهل عليهم ذلك و طلب أن يكون نائبهم فوعدوه بذلك و تأهبوا لقصد بغداد

شرح حال التتار و وقائعهم

تاريخ الخلفاء للسيوطي

شرح حال التتار و وقائعهم

قال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار : هو حديث يأكل الأحاديث و خبر يطوي الأخبار و تاريخ ينسي التواريخ و نازلة تصغر كل نازلة و فادحة تطبق الأرض و تملؤها ما بين الطول و العرض

و هذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند لأنهم في جوارهم و بينهم و بين مكة أربعة أشهر و هم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه و اسعوا الصدور خفاف الأعجاز صغار الأطراف سمر الألوان سريعو الحركة في الجسم و الرأي تصل إليهم أخبار الأمم و لا تصل أخبارهم إلى الأمم و قلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم لأن الغريب لا يتشبه بهم و إذا أرادوا جهة كتموا أمرهم و نهضوا دفعة واحدة فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه و لا عسكر حتى يخالطوه فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل و تضيق طرق الهرب و نساؤهم يقاتلن كرجالهم و الغالب على سلاحهم النشاب و أكلهم أي لحم و جد و ليس في قتلهم استسناء و لا إبقاء يقتلون الرجال و النساء و الأطفال و كان قصدهم إفناء النوع و إبادة العالم و لا قصد الملك و المال

و قال غيره : أرض التتار بأطراف بلاد الصين و هم سكان براري و مشهورون بالشر و الغدر

و سبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع دوره ستة أشهر و ست مماليك و لهم ملك حاكم على المماليك الست هو القان الأكبر المقيم بمطمفاج و هو كالخليفة للمسلمين

و كان سلطان إحدى المماليك الست و هو [ دوش خان ] قد تزوج بعمة جنكزخان فحضر زائرا لعمته و قد مات زوجها و كان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان فأعلمتها أن الملك لم يخلف والدا أشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه فقام و انضم إليه خلق من المغول ثم سير التقادم إلى القان الأكبر فاستشاط غيظا و أمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت و طردها و قتل الرسل لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة يتملك إنما هم بادية الصين فلما سمع جنكزخان و صاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد و أظهرا الخلاف للقان و أتتها أمم كثيرة من التتار و علم القان قوتهم و شرهم فأرسل يؤانسهم و يظهر مع ذلك أن ينذرهم و يهددهم فلم يغن ذلك شيئا ثم قصدهم و قصدوه فوقع بينهم ملحمة عظيمة فكسروا القان الأعظم و ملكوا بلاده و استفحل شرهم و ستمر الملك بين جنكزخان و كشلوخان على المشاركة

ثم سار إلى بلاد شاقون من نواحي الصين فملكاها فمات كشلوخان فقام مقامه ولده فاستضعفه جنكزخان فوثب عليه ز ظفر به و استقل جنكزخان و دانت له التتار و انقادت له و اعتقدوا فيه الإلهية و بالغوا في طاعته ثم كان أول خروجهم في سنة ست و ستمائة من بلادهم إلى نواحي الترك و فرغانة فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك و أخذ المماليك و عزم على قصد الخليفة فلم يتهيأ كما تقدم فأمر أهل فرغانة و الشاش و كاسان و تلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء و الجفلى إلى سمرقند و غيرها ثم خربها جميعا خوفا من التتار أن يملكوها لعلمه أنه لا طاقة له بهم

ثم صارت التتار يتخطفون و ينتقلون إلى سنة خمس عشرة فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا و هدايا و قال الرسول : إن القان الأعظم يسلم عليك و يقول لك : ليس يخفى علي عظم شأنك و ما بلغت من سلطانك و نفوذ حكمك على الأقاليم و أنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات و أنت عندي مثل أعز أولادي و غير خاف عنك أنني تملكت الصين و أنت أخبر الناس ببلادي و أنها مثارات العساكر و الخيول و معادن الذهب و الفضة و فيها كفاية عن غيرها فإن رأيت أن تعقد بيننا المودة و تأمر التجار بالسفر لتعلم المصلحتين فعلت فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه و بشر جنكزخان بذلك و استمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار

و كان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر و معه عشرون ألف فارس فشرهت نفسه إلى أموال التجار و كانت السلطان يقول : إن هؤلاء القوم قد جاؤوا بزي التجار و ما قصدهم إلا التجسس فإن أذنت لي فيهم فأذن له بالاحتياط عليهم فقبض عليهم و أخذ أموالهم فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول : إنك أعطيت أمانك التجار فغدرت و الغدر قبيح و هو سلطان الإسلام أقبح فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك فسلمه إلينا و إلا سوف تشاهد مني ما تعرفني به فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله فتلجد و أمر بقتل الرسل فقتلوا

فيالها من حركة لما أهدرت من دماء المسلمين و أجرت بكل نقطة سيلا من الدم

ثم سار جنكزخان إليه فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور ثم ساق إلى برج همذان رعبا من التتار فأحدق به العدو فقتلوا كل من معه و نجا هو بنفسه فخاض الماء إلى جزيرة و لحقته علة ذات الجنب فمات بها وحيدا فريدا و كفن في شاش فراش كان معه و ذلك في سنة سبع عشرة و ملكوا جميع مملكة خوارزم شاه

قال سبط ابن الجوزي : كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة فأخذوا بخارى و سمرقند قتلوا أهلها و حاصروا خوارزم شاه ثم بعد ذلك عبروا النهر و كان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان فلم تجد التتار أحدا في وجههم فطاروا في البلاد قتلا و سبيا و ساقوا إلى أن وصلوا همذان و قزوين في هذه السنة

و قال ابن الأثير في كامله : حادثة التتار من الحوادث العظمى و المصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها عمت الخلائق و خصت المسلمين فلو قال قائل : إن العلم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها

و من أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس و ما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام ؟ و ما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا ؟

فهذه الحادثة التي استطار شرها و عم ضررها و سادت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر و بلاد شاغرق ثم منهم إلى بخارى و سمرقند فيملكونها و يبيدون أهلها ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها هلكا و تخريبا و قتلا و إبادة و إلى الري و هذان إلى حد العراق ثم يقصدون آذربيجان و نواحيها و يخربونها و يستبيحونها في أقل من سنة ـ أمر لم يسمع بمثله ثم ساروا من آذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنها و عبروا من عندها إلى بلاد اللن و اللكز فقتلوا و أسروا ثم قصدوا بلاد فقجاق و هم أكثر من الترك عددا فقتلوا من وقف و هرب الباقون و استولى التتار عليها

و مضت طائفة آخرى غير هؤلاء إلى غزنة و أعمالها و سجستان و كرمان ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد هذا لم يطرق الأسماع مثله فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة و إنما ملكها في نحو عشر سنيين و لم يقتل أحدا و إنما رضي بالطاعة و هؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض و أحسنه و أعمره في نحو سنة و لم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلا و هو خائف يترقب وصولهم إليه

ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة و مددهم يأتيهم فإنهم معهم الأغنام و البقر و الخيل يأكلون لحومها لا غير

و أما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها و تأكل عروق النبات و لا تعرف الشعير

و أما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها و لا يحرمون شيئا و يأكلون جمع الدواب و بني آدم و لا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد و لما دخلت سنة ست و خمسين وصل التتار إلى بغداد و هم مائتا ألف و يقدمهم هلاكو فخرج إليهم عسكر الخليفة فهزم العسكر

و دخلوا بغداد يوم عاشوراء فأشار الوزير لعنه الله على المستعصم بمصانعتهم و قال : أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح ظن فخرج و توثق بنفسه منهم و ورد إلى الخليفة و قال : إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بإبنك الأمير أبي بكر و يبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته و لا يريد إ لا أن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية و ينصرف عنك بجيوشه فليجب مولانا إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين و يمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد و الرأي أن تخرج إليه فخرج إليه في جمع من الأعيان فأنزل في خيمة

ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء و الأماثل ليحضروا العقد فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم و صار كذلك : تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم حتى قتل جميع من هناك من العلماء و الأمراء و الحجاب و الكبار

ثم مد الجسر و بذل السيف في بغداد و استمر القتال فيها نحو أربعين يوما فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة و لم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة و قتل الخليفة رفسا

قال الذهبي : و ما أظنه دفن و قتل معه جماعة من أولاده و أعمامه و أسر بعضهم و كانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها و لم يتم للوزير ما أراد و ذاق من التتار الذل و الهوان و لم تطل أيامه بعد ذلك و عملت الشعراء قصائد في مرائي بغداد و أهلها و تمثل بقول سبط التعاويذي :

( بادت و أهلوها معا فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب )

و قال بعضهم :

( يا عصبة الإسلام نوحي و اندبي ... حزنا على ما تم للمستعصم )

( دست الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي )

و كان آخر خطبة خطبت ببغداد قال الخطيب في أولها : الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الأعمار و حكم بالفناء على أهل هذه الدار هذا و السيف قائم بها

و لتقي الدين أبي اليسر قصيدة مشهورة في بغداد و هي هذه :

( لسائل الدمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك و الأحباب قد ساروا )

( يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى و الدار ديار )

( تاج الخلافة و الربع الذي شرفت ... به المعالم قد عفاه إفقار )

( أضحى لعصف البلى في ربعه أثر ... و للدموع على الآثار آثار )

( يا نار قلبي من نار لحرب وغى ... شبت عليه و وافى الربع إعصار )

( علا الصليب على أعلى منابرها ... و قام بالأمر من يحويه زنار )

( و كم حريم سبته الترك غاصبة ؟ ... و كان من دون ذاك الستر أستار )

( و كم بدور على البدرية انخسفت ؟ ... و لم يعد لبدور منه إبدار )

( و كم دخائر أضحت و هي شائعة ؟ ... من النهاب و قد حازته كفار )

( و كم حدود أقيمت من سيوفهم ؟ ... على الرقاب و حطت فيه أوزار )

( ناديت و السبي مهتوك تجر بهم ... إلى السفاح من الأعداء دعار )

و لما فرغ هلاكو من قتل الخليفة و أهل بغداد و أقام على العراق نوابه و كان ابن العلقمي حسن لهم أن يقيموا خليفة علويا فلم يوافقوه و اطرحوه و صار معهم في صورة بعض الغلمان و مات كمدا لا رحمه الله و لا عفا عنه

ثم أرسل هلاكو إلى الناصر صاحب دمشق كتابا صورته : يعلم السلطان الملك الناصر طال يقاؤه أنه لما توجهنا العراق و خرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله ثم خرج إلينا رؤساء البلد و مقدموها فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوس تستحق الإهلاك و أما ما كان من صاحب البلدة فإنه خرج إلى خدمتنا و دخل تحت عبوديتنا فسألناه عن أشياء كذبنا فيها فاستحق الإعلام و كان كذبه ظاهرا و وجدوا ما عملوا حاضرا و أجب ملك البسيطة و لا تقولن : قلاعي المانعات و رجالي المقاتلات و قد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة و إلى جنابك لائذة :

( أين المفر و لا مفر لهارب ... و لنا البسيطان الثرى و الماء )

فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشام سماءها أرضا و طولها عرضا و السلام

ثم أرسل له كتابا ثانيا يقول فيه : خدمة ملك ناصر طال عمره أما بعد : فإنا فتحنا بغداد و استأصلنا و ملكها و كان قد ظن ـ و قد فتن الأموال و لم ينافس في الرجال ـ أن ملكه يبقى على ذلك الحال و قد علا ذكره و نمى قدره فخسف في الكمال بدره :

( إذا تم أمر بدا نفصه ... توقع زوالا إذا قيل تم )

و نحن في طلب الازدياد على ممر الآباد فلا تكن كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم و أبد ما في نفسك : إما إمساك بمعوف أو تسريح بإحسان و أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شره و تنل بره واسع بأموالك و رجالك و لا تعوق رسلنا و السلام

ثم أرسل إليه كتابا ثالثا يقول فيه : أما بعد : فنحن جنود الله بنا ينتقم ممن عتا و تجبر و طغى و تكبر و بأمر الله ما ائتمر إن عوتب تنمر و إن روجع استمر و نحن قد أهلكنا البلاد و أبدنا العباد و قتلنا النسوان و الأولاد فيا أيها الباقون أنتم بمن مضى لا حقون و يا أيها الغافلون أنتم إليهم تساقون نحن جيوش الهلكة لا جيوش الملكة مقصودنا الانتقام و ملكنا لا يرام و نزيلنا لا يضام و عدلنا في ملكنا قد اشتهر و من سيوفنا أين المفر :

( أين المفر و لا مفر لهارب ... و لنا البسيطان الثرى و الماء )

( ذلت لهيبتنا الأسود و أصبحت ... في قبضتي الأمراء و الخلفاء )

و نحن إليكم صائرون ولكم الهرب و علينا الطلب :

( ستعلم ليلى أي دين تداينت ؟ ... و أي غريم بالتقاضي غريمها ؟ )

دمرنا البلاد و أيتمنا الأولاد و أهلكنا العباد و أذقناهم العذاب و جعلنا عظيمهم صغيرا و أميرهم أسيرا تحسبون أنكم منا ناجون أو متخلصون و عن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون و قد اعذر من أنذر

ثم دخلت سنة سبع و خمسين و الدنيا بلا خليفة

و فيها نزل التتار على آمد و كان صاحب مصر المنصور علي بن المعز صبيا و أتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزي مملوك أبيه و قدم الصاحب كمال الدين بن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار فجمع قطز الأمراء و الأعيان فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام ـ و كان المشار إليه في الكلام ـ فقال الشيخ عز الدين : إذا طرق العدو البلاد وجب على العلم كلهم قتالهم و جاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء و أن تبيعوا ما لكم من الحوائص و الآلات و يقتصر كل منكم على فرسه و سلاحه و تتساور في ذلك أنتم و العامة و أما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال و الآلات الفاخرة فلا

ثم بعد أيام قبض قطز على ابن أستاذه المنصور و قال : هذا صبي و الوقت صعب و لا بد أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد و تسلطن قطز و لقب بـ [ الملك المظفر ]

ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و الوقت أيضا بلا خليفة

و فيها قطع التتار الفرات و وصلوا إلى حلب و بذلوا السيف فيها ثم وصلوا إلى دمشق و خرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار فأقبل المظفر بالجيوش و شاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري فالتقوا هم و التتار عند عين جالوت و وقع المصاف و ذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان فهزم التتار شر هزيمة و انتصر المسلمون و لله الحمد و قتل من التتار مقتلة عظيمة و ولوا الأدبار و طمع الناس فيهم يتخطفونهم و ينهبونهم و جاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر فطار لناس فرحا ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدا منصورا و أحبه الخلق غاية المحبة و ساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب و طردهم عن البلاد و وعده السلطان بحلب ثم رجع عن ذلك فتأثر بيبرس من ذلك و كان ذلك مبدأ الوحشة و كان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار فبلغه أن بيبرس تنكر له و عمل عليه فصرف وجهه عن ذلك و رجع إلى مصر و قد أضمر الشر لبيبرس و أسر ذلك لبعض خواصه فأطلع على ذلك بيبرس فساروا إلى مصر و كل منهما محترس من صاحبه فاتفق بيبرس و جماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذي القعدة و تسلطن بيبرس و لقب الملك القاهر و دخل مصر و أزال عن أهلها ما كان المظفر قد أحدثه عليهم من المظالم و أشار عليه الوزير زين الملة و الدين ابن الزبير بأن يغير هذا اللقب و قال : ما لقب به أحد فأفلح : لقب به القاهر بن المعتضد فخلع بعد قليل و سمل و لقب به القاهر ابن صاحب الموصل فسم فأبطل السلطان هذا اللقب و تلقب بالملك الظاهر

ثم دخلت سنة تسع و خمسين و الوقت أيضا بلا خليفة إلى رجب فأقيمت بمص الخلافة و بويع المستنصر كما سنذكره و كان مدة انقطاع الخلافة ثلاث سنين و نصفا

و ممن مات في أيام المستعصم من الأعلام : الحافظ تقي الدين الصريفيني و الحافظ أبو القاسم بن الطيلسان و شمس الأئمة الكردي من كبار الحنفية و الشيخ تقي الدين بن الصلاح و العلم السخاوي و الحافظ محب الدين بن النجار مؤرخ بغداد و منتخب الدين شارح المفصل و ابن يعيش النحوي و أبو الحجاج الأقصري الزاهد و أبو علي الشلوبيني النحوي و ابن البيطار صاحب المفردات و العلامة جمال الدين بن الحاجب إمام المالكية و أبو الحسن بن الدباج النحوي و القفطي صاحب تاريخ النحاة و أفضل الدين الخونجي صاحب المنطق و الأزدي و الحافظ يوسف بن خليل و البهاء ابن بنت الحميري و الجمال بن عمرون النحوي و الرضي الصغاني اللغوي صاحب [ العباب ] و غيره و الكمال عبد الواحد الزملكاني صاحب المعاني و البيان و إعجاز القرآن و الشمس الخسرو شاهي و المجد ابن تيمية و يوسف سبط ابن الجوزي صاحب [ مرآة الزمان ] و ابن باطيش من كبار الشافعية و النجم البادرائي و ابن الفضل المرسي صاحب التفسير و خلائق آخرون

فصل

و مات في مدة انقطاع الخلافة من الأعلام : الزكي عبد العظيم المنذري و الشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية و شعبة المقرئ و الفاسي شارح الشاطبية و سعد الدين بن العزي الشاعر و الصرصري الشاعر و ابن الأبار مؤرخ الأندلس و آخرون

تتابع الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تتابع الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
10 - 631 م
بقيت الوفود تتابع إلى رسول الله وكان بينها وفد نصارى نجران ومصالحتهم على الجزية وجعل لهم ذمة.
افتتاح طبرستان.
30 - 650 م
افتتح سعد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها. وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها، على مال بذله له أصبهبذها فالله أعلم. فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف.

فرنسا، غزا أجزاء منها الحر بن عبدالرحمن وتتابع الفتح عليها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

فرنسا، غزا أجزاء منها الحر بن عبدالرحمن وتتابع الفتح عليها.
100 - 718 م
غزا السمح بن مالك الخولاني فرنسا فاخترق جبال البرانس وزحف على مقاطعتي سبتمانيا وبروفانس ثم أغار على اكيتانيا وحاصر طلوشة طولوز فخرج له دوق اكيتانيا بجيش كبير ونشبت معركة عظيمة بين الطرفين استشهد فيها السمح وتولى إمرة الجند عبدالرحمن الغافقي فانسحب بفولو الجيش إلى ناربونه.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت