الأصل أن تكون النقود ثابتة القيمة بحكم وظيفتها، ولكننا نشاهد أحيانا تغيرًا في قيمة النقود بل
انهيارًا في هذه القيمة، فما السبب في ذلك؟
أقول: إن الأصل ثبات قيمة النقود، لأن النقود هي التي تحكم معاملات الناس وتضبطها بحيث
يأخذ كل ذي حق حقه، فالعلاقة بين المتعاقدين إنما تحكمها القيمة النقدية لما يملكه كل طرف من
أطراف هذه العلاقة.
لذلك فقد استقرت البشرية من قديم الزمن على اتخاذ النقود من أنفس المعادن التي يمكن تداولها
بين الناس حتى تظل قيمتها ثابتة لا تتغير، إذ لا يعقل أن يكون المقياس أو الضابط للتعامل بين
الناس شيئا غير ثابت (1) ، فالذهب والفضة مثلًا لما كانت قيمتها ثابتة، فإن الناس قد اتخذوهما
نقودًا من قديم الزمن، وقد استقرت البشرية على ذلك القرون الطوال، حتى إن كثيرًا من الفقهاء
يقولون: إن الذهب والفضة هما أثمان بحكم الخلقة، أي أن الله تعالى خلقهما ليكونا أثمانًا.
وها هو الإمام الغزالي-رحمه الله- يقرر هذا المعنى فيقول (2) :"ومن نعم الله تعالى خلق الدراهم"
والدنانير، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان
محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته، وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما
يستغنى عنه، كمن يملك الزعفران مثلًا وهو محتاج إلى جمل يركبه، ومن يملك الجمل وربما
يستغني عنه ويحتاج إلى الزعفران، فلا بد بينهما من معاوضة، ولابد في مقدار العوض من
تقدير، إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران، ولا مناسبة بين الجمل
والزعفران حتى يقال يعطى منه مثله في الوزن أو الصورة، وكذا من يش تري دارًا بثياب أو
دقيقًا بحمار، فهذه الأشياء لا تناسب فيها، فلا بد أي أن الجمل كم يسوي بالزعفران فتتعذر
(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة الخامسة، العدد الخامس، الجزء الثالث، سنة 1988 م، بحث الأستاذ الدكتور
يوسف محمود قاسم، ص 1701، بتصرف.
(2) الغزالي: إحياء علوم الدَّيْن، ج 12، ص 2219.