يمتاز النقد من الذهب والفضة عن الأوراق النقدية بالاستقرار النسبي لقيمته منذ القدم، وذلك لأن
قيمتهما راجعة إلى ذات معدنهما النفيس، وقد مضى الناس منذ القدم باعتبارهما أداة التبادل
والتعامل، وسببًا مقبولًا لشغل الذمم وترتب الحقوق والالتزامات، وكان الذهب ولا يزال يحتل
مكان الصدارة في الاستقرار والمحافظة على سعره وقوته الشرائية بالنسبة للعملات الأخرى،
وما قد يطرأ عليه من تغير فهو تغير محتمل يسير، حتى في أشد ظروف الكساد، وتأتي الفضة
في الدرجة الثانية في استقرار قيمتها النسبية، لكنها تتفاوت كثيرًا بالنسبة إلى قيمة الذهب، واتفق
الفقهاء على أن الدَّيْن الثابت في الذمة إذا كان عملة ذهبية أو فضية محدودة مسماة فغلت أو
رخصت عند حلول وقت الأداء، فلا يلزم المدين أن يؤدي غيرها، لأنها نقد بالخلقة، وهذا التغير
في قيمتها لا تأثير له على الدَّيْن البتة (1) ، وفيما يأتي بيان أقوال المذاهب الفقهية في ذلك:
1 -مذهب الحنفية:
قال ابن عابدين:"والذي يغلب على الظن ويميل إليه القلب، أن الدراهم المغلوبة الغش أو"
الخالصة إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعًا، ولا يجب إلا ما وقع عليه العقد من النوع
المذكور فيه، (أي: المثل) فإنها أثمان عرفًا وخلقة، والغش المغلوب كالعدم" (2) ، ثم بيّن أن خلاف"
أبي يوسف مع أبي حنيفة ليس جاريًا في الذهب والفضة، فقال:"ولا يجري في ذلك خلاف أبي"
يوسف -كما سيأتي بيانه- على أنه ذكر بعض الفضلاء أن خلاف أبي يوسف في مسألة ما إذا
غلت أو رخصت إنما هو في الفلوس فقط، أما الدراهم التي غلب غشها فلا خلاف له فيها" (3) ."
ويقول ابن عابدين أيضا:"وهذا كالريال الإفرنجي والذهب العتيق في زماننا، فإذا تبايعا بنوع"
منهما ثم غلا أو رخص، بأن باع ثوبا بعشرين ريالًا مثلا أو استقرض ذلك، يجب رده بعينه غلا
(1) ابن عابدين، محمد أمين: تنبيه الرقود على مسائل النقود، مطبعة معارف ولاية سورية، 1301 ه، ج 2، ص 64.
(2) المرجع السابق، ج 2، ص 61 - 62.
(3) المرجع السابق، ج 2، ص 62.