من المعلوم أن الهدف من النشاط الاقتصادي للإنسان هو إشباع حاجاته المتعددة والتي لا تقف
عند حصر، وكلما أشبع حاجة ظهرت أخرى، وتتمثل هذه الحاجات في المأكل والمش رب
والملبس والمسكن .. الخ، وقد مر الإنتاج بمراحل متعددة في تطوره، حيث بدأ بمرحلة الإنتاج
الفردي واكتفاء الفرد ذاتيًا، ثم مرحلة الصيد والقنص، ثم مرحلة الرعي، ثم مرحلة الزراعة، ثم
النشاط الصناعي القائم على الزراعة، ثم أخيرًا مرحلة الصناعات الضخمة والمتخصصة التي
تعتمد على التعدين والتنقيب، واكتشاف أعماق البحار والمحيطات واستغلال ما فيها.
إلا أن المهم هنا في هذا التحليل هو لماذا نشأت الحاجة للنقود من خلال تطور حاجات الإنسان
وإنتاجه؟ فإذا كان الفرد ينتج ويكتفي ذاتيًا فليس هناك حاجة إلى النقود، لأنه لن يحتاج إلى إنتاج
الآخرين، أما عندما زاد إنتاج الفرد عن استهلاكه وأنتج الفرد سلعًا لا يستهلكها بنفسه واحتاج
إلى ما ينتجه الآخرون من سلع وخدمات أخرى، نشأت الحاجة إلى النقود كوسيط للتبادل بين
السلع، فالحاجة إلى النقود نشأت لمبادلة الفائض في إنتاج الفرد بالفائض في إنتاج الآخرين،
والزيادة في إنتاج الفرد تسمى فائض، وإتمام عملية تبادل الفائض بين الفرد والآخرين تسمى في
هذه الحالة مقايضة، والتجارة في مراحلها الأولى كانت تقوم على نظام المقايضة، فكان من
يعمل بالصيد مثلًا يقوم بمبادلة ما يملك من لحوم وجلود بما عند المزارع من قمح وشعير
وفاكهة، إلا أن إتمام عملية المقايضة كانت تواجهها صعوبات كثيرة، منها صعوبة تحقيق التوافق
بين رغبات المتعاملين، وعدم قابلية بعض السلع للتجزئة وغيرها (1) ، ومن هنا ظهرت أهمية
النقود.
والنقود ابتدعتها رغبة الجماعات إلى توسيع التبادل فيما بينها، فهي مرتبطة بنشوء اقتصاد
المبادلة الذي يفترض تقسيم العمل والفائض الاقتصادي والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ويتدعم
(1) عبد البر: النقود والبنوك وأسواق المال الدولية، ص 2 - 6.