فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 128

المبحث الرابع: دور الدولة في استقرار النقود

إن استقرار معايير القيمة بصفة عامة مطلب إسلامي، ولما كانت النقود معيارًا للقيمة، فإن

استقرار قيمتها مطلب إسلامي كذلك، ومقياس القيمة في نظر الشريعة الإسلامية ينحصر في

الكيل والوزن والقياس والعدد، وقد أمرنا الشارع الحنيف عند استخدام أي مقياس من هذه

المقاييس أن نتحرى العدل والأمانة، وعلى أية حال فإن الشرع الإسلامي لم يتخير من بين

مقاييس القيمة الأربعة المتقدمة لاستعماله في النقود غير مقياس الوزن، الذي كان كفيلًا بكشف

أي تلاعب أو تزييف للنقود، سواء عن طريق قرض أطرافها أو تفريغ جوفها أو تقليل قطرها

أو ترقيق سمكها، وذلك حرصًا من الشارع الحنيف على استقرار قيمتها كعملة، فنقد المعدنين

الثمينين كان نقدًا تعادليًا أي يستوي فيه قيمته كعملة مع قيمته كسلعة (1) .

ومما لاشك فيه أن الإشراف التام على النقد من حيث نوعه وصفاته وإصداره وكميته قضية

هامة جدا، ولذلك فقد تكلم الفقهاء عن دور الدولة ومسؤوليتها في هذا الجانب، وما ينبغي عليها

أن تتخذه من إجراءات وأساليب، وفي موضوع ضرب العملة وغشها تكلم الفقهاء فيها سواء

بالنسبة للأفراد أو الدولة ممثلة بالحاكم، أما بالنسبة للأفراد فقد يتدخلون فيما هو من اختصاص

الحاكم، فيفتات عليه بضرب النقود، وقد كان هذا موجودًا ولكن بشكل محدود وفي بعض فترات

التاريخ الإسلامي وهو يحمل شبهة التزوير والغش (2) .

وقد بيَّن فقهاؤنا الحكم في مثل هذا بالنسبة للأفراد بأسلوب وقائي وعلاجي، فقالوا:"يكره لغير"

الإمام ضرب الدراهم والدنانير وإن كانت خالصة، لأنه من شأن الإمام، ولأنه لا يؤمن فيه الغش

والإفساد، ولأنه يخفى فيغتر به الناس، وذكر الفقهاء الكراهة هنا محمول على عدم صدور قرار

من الحاكم بالتزام العملة المضروبة من الدولة وحدها، ومن جهة أخرى لم تتوافر نية الغش

(1) النبراوي، د. خديجة: تحريم الربا ومواجهة تحديات العصر، النهار للطباعة والنشر والتوزيع، ج 2، ص 145 - 146.

(2) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة الخامسة، العدد الخامس، الجزء الثالث، لسنة 1988 م، بحث الدكتور عجيل

بن جاسم النشمي، ص 1625.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت