القدرة الحادثة وبين ثبوت الحجة للعباد على الله، وإنما تثبت الحجة للعباد على الله بعدم بلوغ؛ لقوله تعلى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]
(وأيضا يبطل بمسألة خلق الداعي والقدرة الحادثة، وبعلمه القديم المحيط بكل شيء) قلنا: لو كان الالجاء إلى الفعل يثبت الجحة للعباد على الله، لثبتت الحجة للعباد على تقدير تسليم تأثير القدرة الحادثة، فما فروا منه في عدم تأثيرها إذ ذاك-من ملزومية الالجاء لثوت الحجة للعباد على الله في الآخرة على زعمهم-لازم لهم على تقدير تسليم تأثيرها، وذلك أنهم وفقوا على أنه تعالى هو الحالق للقدرة الحادثة والداعي للمعصية من الشهوة وقوة تصميم العزم عليه، وغير ذلك من أسباب الفعل.
وإذا كانت أسباب وجود الفعل كلها من الله تعالى، والفعل معها واجب لا يمكن تركه، صار إذا هذا العبد ملجئا بأن خلقه الله-سبحانه وتعالى-وهو عالم بما يفعل العبد من طاعة أو معصية، فكان للعاصي أن يحتج أيضا على مذهبهم فيقول: يا رب لم خلقت لي القدرة وأنت تعلم أني أعصيك؟ ولم خلقت لي الشهوة وأنت تعلم أني أعصيك؟ بل ولم خلقتني أصلا إذا أني لا أصلح لطاعتك؟ وإذ خلقتني فلم لم تنتني قبل أن أبلغ زمن التكليف؟ وإذا أبلغتني زمن التكليف فلم لم تجعلني مجنونا لا أميز بين السماء والأرض فذلك أسهل على مما عرضتني له من العذاب الذي لا يطاق، وإذا جعلتني عاقلا فلم كلفتني أصلا وقد علمت أن التكليف لا يفيد بي شيئا؟ بل هو أعظم المصائب عليَّ.