وهي أهمُّ ما دعا إليه الرسل أممَهم، فكلُّ رسول يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] ، ويذكرون لأممِهم من أسماء الرب وأوصافه ونعمه وآلائه وألطافه ما به يعرفون ربهم ويخضعون له ويعبدونه.
والقرآنُ العظيم من أوله إلى آخره يبين هذه المسألة ويذكر لها البراهينَ المتنوعة، ويصرِّف لها الآيات، والسنّةُ كذلك.
وليس القصد في هذه المحاضرة [1] ذكر الأدلة النقلية عليها؛ فإن الكتاب والسنّة فيهما من البراهين والأدلة على ذلك ما لا يعد ولا يحصى، ولا يمكن استيفاء بعضه، وهي واضحة جلية؛ يعرفها الخواص والعوام، وبعض ذلك كافٍ وافٍ بالمقصود.
ولكننا نريد في هذه المحاضرة، أن نشير إشارةً يسيرةً إلى براهينها العقلية التي يشترك في معرفتها والخضوعِ لها جميعُ العقلاء من البشر، ولا ينكرها إلا كلُّ مكابر مستكبر، منابذٍ للعقل والدين.
وهذه المسألة أوضحُ وأظهر من أن يحتجَّ لها وتذكر براهينها، ولكن كلما عرف المؤمنُ براهينَها قوي إيمانه، وازداد يقينهُ، وحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر النعم وأجلها.
ولهذا قالت الرسل لأممهم: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} [إبراهيم: 10] ، فاستفهموهم استفهامَ تقرير [2] ، فإنه متقررٌ في قلوب جميع العقلاء الاعترافُ بربوبيته ووحدانيته.
فنقول وبالله التوفيق:
[حدوث الأشياء له ثلاثة أقسام عقلية]
(1) - في الأصل: (المسألة) ثم كتب فوقها (المحاضرة) ، ثم كتب بعدها: المحاضرة.
(2) - هو استفهام تقرير من جهة النتيجة، واستفهام إنكار من جهة الصيغة .. نبه على ذلك الشيخ عبد الله بن عقيل، ويدل عليه ما يأتي من قول المؤلف رحمه الله في كونه استفهاماً إنكارياً ص45.