وقد أثار الفقهاء ما إذا كان في البلد نقدان يتعامل بهما على قدم المساواة فبأي منهما يكون التقويم؟ فذهب بعضهم إلى رعاية الأقل قيمة، وبعضهم إلى رعاية الأكثر ما دام أحدهما أغلى من الآخر [1] .
فالذي يظهر رجحانه أن الأمر في ذلك يعود إلى المقومين أو القاضي مع ملاحظة الظروف والملابسات التي تحيط بالقضية.
اختلف الفقهاء في مدى اشتراط العدد في المقومين، فهل يشترط كونهم أكثر من واحد، أم يكتفى بواحد عدل؟
ذهب جماعة منهم الشافعية [2] إلى اشتراط العدد، في حين ذهب آخرون منهم الحنفية في قول، والمالكية [3] إلى عدم اشتراطه، وأنه يكتفى فيه بشخص واحد.
وسبب الخلاف أن الفريق الأول اعتبروا التقويم بمثابة الشهادة، ولذلك ألحقوه بها في حين نظر الفريق الثاني إلى حقيقة التقويم واعتبروه بالحَكَم، فكما لا يشترط التعدد في القضاء والحكم فكذلك لا يشترط في التقويم.
والراجح هو اشتراط التعدد (في غير الحاكم والمحكم) بأن لا يكون عدد المقومين أقل من اثنين، وذلك لأن القرآن الكريم حكم في جزاء قتل الصيد في حالة الاحرام أن يحكم بمثل ما قتل رجلان عدلان فقال تعالى: ( ... ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ... ) [4] ... وقد فهم من هذا النص وجوب وجود الحكمين الخبيرين العدلين في هذه المسألة، وهو أصل صالح لمسألتنا في التقويم [5] ، وذلك لأن التقويم مما تختلف فيه وجهات النظر فلاد بدّ من وجود عدلين لترجيح رأي على آخر، كما أن القيم تختلف على حسب الأحوال والأزمان والأماكن فلا بدّ من وجود اثنين.
وهذا إذا لم يتراض أصحاب الشأن بتحكيم شخص لتقويمه، أما إذا تراضوا وتنازلوا على حكمه فلا أرى مانعًا لذلك [6] ، وكذلك إذا تراضوا بينهم بالمعروف على عوض المثل فلا يوجد مانع من جواز ذلك أيضًا.
ومن الجدير بالتنبيه عليه هو أنه يشترط في المقوم أن يكون عدلًا خبيرًا بقيمة الشيء المقوم.
المسألة الثالثة: اختلاف المقومين والمقدرين في عوض المثل:
فقال بعضهم: يقدر بكذا، وقال الآخر: يقدر بكذا [7] .
(1) يراجع: الاشباه للسيوطي ص 381 - 382، والقواعد اللزركشي (1/ 399)
(2) الاشباه للسيوطي ص 419
(3) يراجع: رد المحتار (2/ 563) والبحر الرائق (3/ 32) وفتح القدير (2/ 263) حيث مالوا إلى جواز كون المقوّم حتى المحرم حتى في قتل المحرم صيد أن يكون واحدًا، وراجع: الاشباه للسيوطي ص 419
(4) سورة المائدة / الآية 95، ويراجع: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 674)
(5) أحكام القرآن للجصاص الرازي (2/ 473) ولابن العربي (2/ 674) وتفسير ابن عطية (5/ 36) وأحكام القرآن للشافعي (1/ 121) والمجموع للنووي (7/ 423 - 431)
(6) يراجع في تفصيل التحكيم: عقد التحكيم للدكتور قحطان الدوري ط. وزارة الأوقاف العراقية ومصادره المعتمدة
(7) الاشباه والنظائر للسيوطي ص 381