فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 35

وبعد هذا العرض لتلك الحلول نجد أن أمامنا أربعة معايير وهي:

المعيار الأول:

الاعتماد على السلع الأساسية مثل الحنطة والشعير واللحم والأرز، بحيث لا نقوّم المبلغ المطلوب من النقود الورقية عند إنشاء العقد: كم كان يشترى بها من هذه السلع الأساسية؟ ثم نأتي عند الرد أو الوفاء إلى القدر الذي يشترى بها الآن من هذه السلع، فحينئذ يتضح الفرق، وهذا ما يسمى بسلة السلع والبضائع، وهي معتبرة في كثير من الدول الغربية يعرفون من مخلالها التضخم ونسبته، ويعالجون على ضوئها آثار التضخم، ولا سيما في الرواتب والأجور، ويمكن الاعتماد على السلعة الغالبة في البلد.

ويشهد على هذا الاعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل دية الانسان ـ وهو أغلى ما في الوجود ـ الإبل مع وجود النقدين ـ الدراهم والدنانير ـ في عصره.

ويقال: إن السبب في ذلك هو أن الإبل كانت السلعة الغالبة لدى العرب، فجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم الأصل، وقوّمها عليهم بالذهب أو الفضة، كما ذكر العلماء أن الإبل قد عزّت عندهم، ومع ذلك لم يجعل الذهب أو الفضة أصلًا في الدية، ومن هنا زاد القدر حسب قيمة الإبل، فقد ورى أبو داود وغيره بسندهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ... (كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني مائة دينار، وثمانية آلاف درهم .... فكان ذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبًا فقال:(ألا إن الإبل قد غلت) قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا [1] .

قال الخطابي: (وإنما قوّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل القرى، لكون الإبل عزت عندهم فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثماني مائة، ومن الورق ثمانية آلاف درهم فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثني عشر ألفًا) [2] .

والواقع أن هناك روايات أخرى تدل على أن قيمة الإبل حتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مستقرة استقرارًا تامًا، وإنما كانت تباعة لغلاء الإبل ورخصها، فقد روى أبو داود، والنسائي والترمذي بسندهم: (أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفًا) [3] .

(1) سنن أبي دواد ـ مع العون ـ كتاب الديات (12/ 284) ورواه مالك بلاغًا في الموطأ (2/ 530)

(2) عون المعبود (12/ 285)

(3) سنن أبي داود مع العون، كتاب الديات (12/ 290) والترمذي ـ مع التحفة ـ كتاب الديات (4/ 646) ، قال الشوكاني في النيل (8/ 271) : (وكثرة طرقه تشهد بصحته)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت