في هذه الحالة اختلف الفقهاء أيضًا، فذهب بعضهم إلى ترجيح ما هو الأكثر، وبعضهم إلى ترجيح الأقل، لأن المتيقن، والزائد مشكوك فيه فلا يلزم بالشك، في حين ذهب فريق ثالث إلى التفصيل فقالوا: يؤخذ في الغرم بالأقل، وفي غيره مثل الغصب بالأكثر [1] .
والذي يظهر لي رجحانه أن المقومين الخبراء إذا اختلفوا في التقويم فيرجح جانب الأكثرية لأن رأي الاثنين ـ في الغالب ـ أفضل من رأي واحد، وإذا كانوا متساويين من حيث العدد فيضاف إليهم خبير آخر، أو تشكل لجنة أخرى لتبت في الموضوع.
ثم إنه لا يشترط الوصول في التقدير إلى القطع والتحديد، بل يكفي الظن والتقريب، قال الزركشي: (إن ما توقف على التقويم، وعرض على أهل الخبرة وحكموا بالتقويم تقريبًا، فهو المتبع في سائر الأبواب، وان تطرق إليه تقدير النقصان ظنًا إلاّ في باب السرقة فإنه لا يعتمد عند المحققين لسقوط القطع بالشبهة، فلا يجب الحد ما لم يقطع المقومون ببلوغها نصابًا) [2] .
وقد أثار الفقهاء ما إذا قام المقومون بتقدير معين وقُضي به، ثم قامت بينّة على أن التقدير غير عادل فهل ينقض التقدير الأول وما ترتب عليه؟ ذكر السيوطي أن العلامة ابن الصلاح الشهرزوري سئل عن ملك اليتيم، احتيج إلى بيعه، فقامت بينة بأن قيمته مائة وخمسون، فباعه القيّم بذلك، وحكم الحاكم بصحة البيع، ثم قامت بينة أخرى بأن قيمته حينئذ مائتان، فهل ينقض الحكم ويحكم بفساد البيع؟
فأجاب ـ بعد التمهل أيامًا والاستخارة، انه ينقض الحكم، لأنه إنما حكم بناء على البينة السالمة عن المعارضة بالبينة التي مثلها، وأرجح، وقد بان خلاف ذلك، وتبين استناد ما يمنع الحكم إلى حالة الحكم.
ونازعه في ذلك السبكي في فتاويه، ومنع النقض، قال: لأن التقويم حدس وتخمين، ولا يتحقق فيه التعارض إلاّ إذا كان في وقت واحد، وان سلمنا المعارضة فهي معارضة للبينة المتقدمة وليست راجحة عليها .... وكيف ينقض الحكم بغير مستند راجح .... وكما لا يقدم على الحكم إلاّ بمرجح فكذلك لا نقدم على نقضه إلاّ بمرجح، ولم يوجد.
ثم إن قول ابن الصلاح: (وقد بان خلاف ذلك) ممنوع لأنه لم يبن خلافه بل أكثر ما فيه أنه أشكل الأمر علينا، ولا يلزم من اشكال الأمر علينا أن نوجب النقض [3] .
فعلى ضوء هذا أن الراجح هو أن التقويم الثاني إذا لم يكن معه ما يرجحه فلا يرجح على التقويم الأول الذي تعضد بحكم القاضي أما إذا وجدنا ما يرجحه، ودلت القرائن على وجود الفرق بين التقديرين من حيث الواقع فإن التقويم الأول ينقض، وينقض معه كل ما ترتب عليه.
هذا إذا كان التقويم الأول قد تعضد بحكم الحاكم، أما إذا كان الأمر قبل الحكم فإن القاضي يأخذ بأي من التقويمين يحقق العدالة، حيث يعمل فيه نظره واجتهاده، وإذا ثبت له أن التقويم غير عادل فإنه لا يحكم به، وإذا كان قد حكم به فإنه ينقضه، كما سبق [4] .
(1) المصدر السابق نفسه
(2) المنثور في القواعد للزركشي (1/ 400) وفيه تفصيل يراجع في: المدونة (1/ 441) ومغني المحتاج (1/ 526)
(3) الاشباه للسيوطي ص 383 - 384
(4) المصادر السابقة، ويراجع: المدونة (1/ 441) والشرح الكبير للدردير (2/ 83)